Español  English  Français  
عرب امريكا اللاتينية
1- حياة عربية جديدة في فنزويلا

يوم 23/ يناير / كانون ثاني عام 1958 تخلصت فنزويلا من كوسبا ريمينيس ، الديكتاتور الذي حكمها منذ عام 1952 حسبما يحكي طوني كره بيت ، استاذ اللغة الفرنسية في جامعة سيمون ، حيث بدأت مرحلة من الديموقراطية في فنزويلا وهي مستمرة حتى اليوم والتي اوصلت الرئيس هوجو تشافيز للحكم عام 1999 " تشافيز هو ضابط بالقوات المسلحة الفنزويلية و كان قد حاول القيام بانقلاب عسكري ضد الرئيس السابق عام 1992 ، وتم اعتقاله على أثرها ، بعد خروجه من السجن بدأ نشاطه السياسي والذي أوصله للانتخابات ومن ثم للحكم في عام 1999. تستعرض الحلقة الانقسام الذي تشهده فنزويلا حول الرئيس هوجو تشافيز من أنصاره ومن أعدائه ، فريمون قبشي (من أصل عربي ) وهو مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الشرق الأوسط يؤكد أن النفط والذي من المفترض به أن يكون سر سعادة فنزويلا هو في الحقيقة سر شقائها واصبحت فنزويلا ضحية للطامعين في ثرواتها .
الأغنية التي أذيعت في الحلقة وكتبها الرئيس شافيز تؤكد على تصوره لشخصيته كشخص غير معني بالسلطة ، لا يمين ولا يسار ، هو فقط واحد من الناس ، شافيز يؤكد المعنى نفسه وهو يستعرض لوحة اهداها اليه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ،. عندما رأى شافيز اللوحة وكان في زيارة الى الجزائر، شعر أنه ينتمي إليها ، أنه واحد من هؤلاء البربر ، العرب ، أهل الصحراء . روميو معوض (رجل أعمال من أصل عربي ) يحكي كيف أن فنزويلا بلد منفتح ، ليس عنصرياً : " يأتي هنا العربي وهو يتحدث العربية ولا يجيد الاسبانية لكنهم يستقبلوه ويضحكون معه ،ولا يقول له أحد انت غريب ، هنا الايطالي يحكي ايطالي، والعربي يحكي عربي ، المسلم لديه مسجدا والماروني لديه كنيسة والأرثوذكسي لديه كنيسة والكاثوليكي لديه كنيسة ، ولم يتأثر عرب فنزويلا بعد 11 سبتمبر لأن كل العرب بفنزويلا رجال تجارة وأعمال وليسوا متعصبين .
الجالية اللبنانية المسجلة لدى السفارة اللبنانية بفنزويلا تقدر بحوالي 30 ألف لكنها في الحقيقة قد تصل لمائة أو 150 ألف فقد تغيرت أسماء كثيرة غيرها موظفوا الجوازات حيث كانوا يترجمون الاسم الى الاسبانية ، فعائلة غصن صار اسمها رامو (ومعناها غصن بالاسبانية) وعائلة حلو صارت (بيو) .. وهكذا ، لكن كل اللبنانيين مازالوا فخورين بكونهم لبنانيين .
ابراهيم كره (صاحب مصنع من أصل سوري ) يشغل وقت فراغه ، كما ظهر في الحلقة ، في زراعة بعض النباتات التي يجلب بذورها من سورية ، هنا يزرع عريشة ليمون ، فلافلة ،والملوخية التي يطبخها على الدجاج أو لحم البقر على الطريقة المصرية ، عاد ابراهيم كره إلى لبنان سنة 1965 وقامت الحرب وتحمل لسنوات لكنه في النهاية عاد إلى فنزويلا سنة 1979 وبدأ في تجارته ونشاطه الاقتصادي . سمير مخلوطة ، يحكي عن بوبرتو لاكروس وهي ثاني اكبر مدينة في فنزويلا ،أسست الجالية السورية بها النادي السوري سنة 1981 ، البلدية ساعدتهم لبناء مدرسة بأن اعطتهم الأرض ، وهم يبنون الآن كنيسة : الجالية هنا كبيرة وبها اساتذة جامعة ومحامين ومهندسين ومحاسبين ، أغلبهم حلبيين وأغلبهم أتى من الشارع نفسه ، وزاد التحامهم العائلي بالتصاهر . العرب حالتهم الاقتصادية جيدة والسبب كما يحكي مخلوطة أن الشعب الفنزويلي يحب تغيير اثاث بيته كل سنتين أو ثلاثة والعرب في المدينة هم المسيطرين على تجارة الموبيليا كما يسيطر الطليان والأسبان على المطاعم .
محمد السبتي (تاجر / فلسطيني ) يحكي ان هجرة الفلسطينيين الى فنزويلا بدأت بعد النكبة مباشرة "وكالة غوث اللاجئين كانت تشجع على هذه الهجرة وتسهلها ، فكانت توزع على لاجئي المخيمات كروتا لتسلم المواد الغذائية من دقيق وأرز وتخير الفلسطيني بين الكارت وتسهيل الهجرة له إذا هو تنازل عن هذا الكارت . محمد السبتي استقر بفنزويلا سنة 1962 ، وأسست الجالية النادي الفلسطيني سنة 1963 ، كما أسسوا مسجدا ومدرسة ومقبرة ، عددهم يقارب ال60 ألف وهم متفقون على مبدأ عدم الزواج من أجنبية .
بقاء الشعب الفلسطيني متحدا حتى وهو في المهجر مبدأ أتفق عليه الفلسطينيون في فنزويلا وهو ما يؤكده رباح دكا (من أصل فلسطيني) فالحلم الدائم لهم هو العودة ، رغم انه تجنس بجنسية فنزويلا وأحب شعبها ويشكره على كل ما وصل إليه فهو درس هنا وتخرج هنا وصار ما هو عليه هنا في فنزويلا .
محمد عبد الهادي ، وهو مدير أعمال من أصل لبناني ، يحكي كيف وجد العرب شافيز يتحدث لغة لم يتكلمها الحكام العرب ، يؤيد الحق الفلسطيني ، يشجب أي اعتداء على الفلسطينيين ، يقف ضد حصار العراق .
أما ريمون قبشي مستشار الرئيس فيؤكد أن الحكومات السابقة كانت لها مواقف من العرب بسبب الارتباط العضوي بينهم كطبقة حاكمة وبين الصهيونية والرأسمالية العالمية .بينما يؤكد طوني كره في نهاية الحلقة انه اذا استمر الوضع في فنزويلا على ما هو عليه فسوف يقدم أوراقه لطلب هجرة لكندا .

تاريخ عرض الحلقة : 20 يوليو / تموز عام2005



2- العرب و التجارة في فنزويلا

بعد 14 سنة في فنزويلا يعتبر توني جرافيت القادم من لبنان نفسه فنزويليا بالدرجة الاولى رغم حنينه لبلاده الاصلية التي يحبها . يحكي توني جرافيت لماذا سميت فنزويلا بهذا الاسم :" لأن اميريكو فيسبوتشو الذي رافق كريستوفر كولومبس في رحلته الاستكشافية وأثناء دخوله هذه البلاد رأى بيوتا مبنية على قنوات ماء وقد ذكرته بمسقط رأسه فينيسيا فقال "هذه فينيسيا الصغيرة" فصارت فنزويلا ، اما اسم كراكاس العاصمة فهو في الاصل اسم قبيلة الهنود الكاريبي الذين كانوا يقيمون هنا ، بفنزويلا تنوع سكاني كبير فالى جانب الهنود السكان الاصليون يوجد السود الذين جلبوا كعبيد ، والكريويوس وهم الخليط الموجود بين اهل البلد والبيض وكذلك توجد جاليتان اسبانية وايطالية بالاضافة إلى الجالية العربية ، وهي كبيرة اذ تضم حوالي المليون شخص اغلبهم من السوريين وتحديدا من مدينة حلب .
روفائيل مبيض اتى جده سنة 1930 ، كان في الاصل يقصد امريكا ولما قيل له ان تذكرة فنزويلا ارخص ذهب إلى فنزويلا . كانت امريكا حسبما يحكي جرافيت تشترط في المهاجرين لها ان يجيدوا القراءة والكتابة فالنخبة هي التي كانت تذهب إلى امريكا الشمالية ومن لم يكن يعرف القراءة والكتابة كانت المركب تتركه هنا في فنزويلا ويقولوا له "انت وصلت ابقى هون" . انورين فتال استغرقت رحلتها إلى فنزويلا 18 يوما كانت السفينة خلالها تقف في العديد من البلاد كمصر وتركيا واسبانيا و غيرها .. انورين سبقها زوجها الى فنزويلا بناءا على نصيحة اقرباء لهم سبقوهم الى هناك .. بقى زوجها بفنزويلا عامين ثم ارسل اليها وكان معها ثلاث اولاد ، كي تسافر إليه ، ثم ارسلوا لحماتها وبنت حماتها وهكذا استقرت الاسرة كلها في فنزويلا منذ 44 سنة .
كانوا في البدء يطلقون على العرب وصف الأتراك ، كانت لبنان وسورية آنذاك تحت الحكم العثماني وكان العرب يسافرون بجوازات سفر تركية ، روفائيل مبيض يحكي ان موظفي الهجرة في فنزويلا كانوا يجهلون اللغة العربية فشوهوا الاسماء وحرفوا اسمه هو من رفائيل مبيض لرفائيل بيض وكأن وقع حرف الميم المضمومة كان ثقيلا عليه ، ولذا فهو يعتقد انه خلال مائة سنة اذا لم يدون كل شئ فلن يعرف احد أنه من اصل عربي . تحكي انورين فتال كيف تعذبت عند تعلم اللغة الاسبانية حين قدمت إلى فنزويلا بينما انيس السوقي كان يعرف الانجليزية والفرنسية . حينما حضر انيس إلى فنزويلا ، وبعد خمسة ايام من وصوله اعطاه خاله حقيبة ملابس وبعث به ليبيعها على الابواب بالقسط ، انها (الكشة) وهي المهنة التي عمل بها اغلب العرب الذين هاجروا إلى فنزويلا . انورين فتال هي الاخرى عمل زوجها بالكشة ثم انشأ دكانا وقسموا الادوار بينهم ، فصارت هي تعمل بالدكان بينما هو يبيع بالخارج وصارت تحيك الثياب وكانت اللغة لا تزال تسبب لها مشاكل كثيرة مع الزبائن
اما انيس السوقي فقد عمل في تجارة الالماس والذهب ، كان كثيرا ما يذهب إلى بوليفار والقرى المحيطة بها للتجارة وهناك قابل زوجته التي تزوجها عام1945 . وفي العام نفسه افتتح دكانه .. توني جرافيت يحكي عن اهله الذين كانوا يفتحون محالهم للعمل من السابعة صباحا حتى السابعة مساءً . وتحكي انورين فتال عن التجارة التي اتسعت وصارت بالملايين رغم انها بدأت بالكشة ، ورفائيل مبيض يحكي عن ذلك التناغم في نمو المجتمع .
انيس السوقي يحكي عن بنك الكاريبي بفخر حيث ان الذي اسسه لبناني آخر ، هو نصري ضو ، منذ 35 سنة حمسه السوقي لتأسيس البنك في كاراكاس فطلب منه العمل معه وعمل معه بالفعل هذه المدة كلها والآن صار للبنك ما بين 10 الى 15 فرعاً في فنزويلا .
بعضهم بدأ بالتجارة ليخرج منها إلى الجامعة والبحوث والدراسات ويرتقي السلم الاجتماعي . كريمون قبتشي ، الذي اتى إلى فنزويلا وكل ما يملكه هو مائة دولار وبدأ بالعمل في التجارة ، لكنها لم تكن من طموحاته فالتحق بالجامعة وتخرج وحصل على دكتوراه بالحقوق وعمل استاذا بالجامعة وعمل كذلك بوزارة الخارجية الفنزويلية وهو الآن يعمل بالمحاماة . عن أسباب الهجرة يؤكد قبتشي ان السلطة الحاكمة في سوريا ولبنان أشاعت أن سبب الهجرة هو حب الفينيقيين للمغامرة وهذه كذبة ، ويؤكد رفائيل مبيض كيف لم تواجه السلطات العثمانية المسيحيين وجها لوجه لكنها سلطت عليهم مجموعات اسلامية متطرفة ، بينما يحكي توني جرافيت ان العامل الثاني وراء هذه الهجرة كان الطموح ، وانورين فتال أكدت أن في لبنان كان الحال سيبقى على ما هو أما هنا في فنزويلا ،يوجد تقدم ، يوجد رزق ، ولأنهم كانوا يعملون بجد ودأب ، حسب وصف انيس السوقي ، فقد كبرت الجالية اللبنانية وصارت محترمة .
تاريخ العرض :13 يوليو / تموز عام 2005



3- الإكوادور : التوفيق بين ثقافتين:

جاء احمد مسعود من مصر سنة 1986 ، وطاف أغلب بلاد أمريكا اللاتينية أملا في ان يعبر الحدود نحو ميامي ، يدخل إلى أمريكا ولا يعود . عن طريق شركة سياحة سافر مع فوج من 120 شخصاً إلى امستردام ثم الاكوادور ثم الى بنما ، ثم إلى جواتيمالا . في بنما سألوا على تكاليف السفر إلى أمريكا فطلبوا منهم مبالغ خيالية فرفضوا وقرروا البحث عن وسيلة أرخص ، فذهبوا الى جواتيمالا وظلوا بها شهرا ، كانت البلد تعيش حرب عصابات وظروفها صعبة ، ظلوا يبحثون عن بعض المهربين الذين سيدخلونهم أمريكا وبالفعل وجدوهم ودفعوا لهم "العربون " ، وفي موعد السفر بالصباح اكتشفوا أنهم قد هربوا وسرقوا اموالهم. اكملوا طريقهم وبالفعل وصلوا حدود المكسيك وجواتيمالا ولكن لا يوجد من يقودهم إلى الداخل فقرروا العودة إلى الاكوادور . في هذا التوقيت شعر احمد مسعود أن الإكوادور آمنة وجوها جميل عكس بنما التي لم تكن آمنة وجوها استوائي حار ، وكوستاريكا ليس بها أمان وكذلك جواتيمالا والمكسيك ، البلد الوحيدة التي احب اهلها وأحس بالأمان بها كانت الاكوادور فقرر أن يبقى .
الأمور تغيرت الآن فمنذ عامين هجم المسلحون على أحمد مسعود في السوبر ماركت الذي يملكه بالنهار وسطوا على أمواله ، من بعد قرر ألا يحتفظ بأمواله في الدرج وأن يشتري سلاحا للحارس ويضيف واقياً حديداً إلى باب المحل .
غيرت الإكوادور عملتها إلى الدولار ومن وقتها أصبحت بلدا مستهلكة أغلب سلعها مستوردة ، ظروفها الاقتصادية صعبة وأعلن الكثيرون افلاسهم . تزوج مسعود من إكوادرية وهو يؤكد أن لهذا الزواج مشاكله في البداية ، فهو امام اختيارين إما يسير وفق عاداته وتقاليده أو يسير وفق عاداتها وتقاليدها ، أية كفة ستكون الراجحة ، لكنه أكد أنه حل تلك المشاكل بالحوار ، حاول أن يوضح لها أن الانسان لا يستفيد شيئا من الشراب والرقص ، وتؤكد زوجة أحمد كيف ان حماته والدة أحمد اعترضت على كونها مسيحية كاثوليكية وليست مسلمة ، وهي تؤكد أن الاحترام بين الزوجين هو الذي يعالج مشكلة اختلاف الدين .
احمد مسعود يعتبر نفسه محظوظا لأنه انجب ذكورا وليس إناثاً لأن الذي لديه بنات يعاني من مشاكل أكبر في تربيتهن في الغربة ، ورغم أن للذكر مشاكله أيضا خاصة في سن المراهقة حينما تكون له صديقات يزرنه . ويحل احمد هذه المشكلة بالحوار ومحاولة وضع الضوابط .
الابن الأكبر لأحمد يرى أن التوفيق بين الثقافتين العربية والإكوادرية صعب ، لكن الأهم الحفاظ على الدين ، اما الأبن الأصغر يؤكد أن الناس هنا منفتحون أكثر من مصر ، احمد مسعود من ناحيته يؤكد انه سيعود إلى مصر بعد عامين ويحاول إيجاد طريقة للاستقرار بها .
أيمن رمضان زار الاكوادور لأول مرة منذ عشر سنوات وهو يلعب الملاكمة كهاو وكان عمره وقتها 18 عاما ، قابله رجل أعمال مصري اسمه سليمان الأعصر ، وعرض عليه أن يلعب كمحترف في أمريكا وهو ما حدث بالفعل ، وقع أيمن رمضان في مشكلة بالاكوادور حينما عمل حارسا لرجل أعمال اكوادوري قبض عليه بصحبته بتهمة الاتجار في المخدرات أدين بتهمة كونه شاهدا لم يبلغ عن نشاط رجل الأعمال ، وحكم عليه بالحبس 4 سنوات ، ايمن باقٍ في الإكوادور لمدة 11 شهرا أخرى هي ما تبقى من عقوبته ، يتابع تدريبات ، يتغذى جيدا ، له ابنة من زوجة اكوادرية انفصل عنها ، ابنته اسمها سلمى وعمرها 4 سنوات.
محمد عبد العظيم ، الذي سمح لنا بالتصوير في المطعم الذي يملكه ، بدأ رحلته إلى الإكوادور كمنتدب من وزارة الخارجية المصرية بسفارة مصر بالإكوادور لمدة سنتين من سنة 2000 ل2002 ، وعقب انتهاء مهمته عاد إلى مصر وقرر العودة إلى الإكوادور مرة أخرى وافتتح مطعما يقدم الأكلات المصرية والهندية ، يشعر محمد بالاختلاف بين العادات والتقاليد المصرية والإكوادرية لكنه يشعر ان افضل ميزة بالبلد هي الديموقراطية " والعنف يأتي من الكولومبيين الذين يرفض شعب الاكوادور توظيفهم فيلجأون إلى العنف ، فالإكوادوري شعب مسالم و ليس عنيفاً . محمود شديد ، ككثيرين ، دخل الاكوادور سنة 1997 كمحطة لدخول أمريكا ونجح بالفعل وعاش في أمريكا 6 سنوات الى أن وقعت أحداث 11 سبتمبر وتم ترحيله ، وعاد إلى الاكوادور وحاول مرة أخرى ودخل أمريكا وتم ترحيله مرة أخرى وشعر أن العالم كله مقفول أمامه ، وليس له الا الإكوادور ، وفتح مطعماً و"عمل فلوس" لكنه يرى في النهاية أن البقاء في مصر كان أفضل ، فرفاقه الذين هم من عمره تزوجوا وأسسوا أسرا وصار لهم أولاد وهو لا، "ويكفيهم أنهم نائمون وسط أهلهم ومرتاحون.

تاريخ عرض الحلقة : 3أغسطس / آب عام2005



4- الاكوادور : نساء وجذور

ولدت ليلى دسوم وأبيها في عمر الرابعة والخمسين ، كانوا أربع بنات ولد بعدهن صبي ، فكان علي ليلى أن تتحمل عبء مساعدة أبيها في أعماله التجارية وأن تكون سنده لأن الصبي كان صغيرا ، أما ايفون باقي فقد ولدت في الاكوادور وسافرت إلى لبنان وعمرها 15 سنة وهناك كانت اجنبية ، وفي أوربا أيضا كانت أجنبية ، شعرت أنه ليس لها وطن ، الفن كان هو الشئ الذي يجعلها تشعر أنها مربوطة بشئ ، مريم توما أبو حجر كانت تسمع أبوها وأمها دائما ما يتكلمون عن فلسطين والعادات والتقاليد الفلسطينية .
تحكي ليلى دسوم وهي من مواليد الإكوادور أن أباها قدم إلى الإكوداور سنة 1926 وعمل بالتجارة ، كان أولاد عمه قد سبقوه وعملوا هم أيضا في تجارة الأقمشة ، استقر أبوها في العاصمة وأسس محلا أسمه (الرخيص ) ، وهذه هي الترجمة العربية ، وكان يربح هامشا صغيرا مقابل أن يكسب زبائن ، كان والدها متزوجا من سيدة لبنانية لم ينجب منها ، وظل متزوجا منها لمدة 37 سنة إلى أن ماتت وتزوج من زوجته الإكوادرية وأنجب ليلى و4 أخوة آخرين . قصة ايفون باقي تختلف قليلا فأبيها قدم إلى الإكوادور وعمره 17 سنة مع أخته ،كان صغيراً جدا وبدأ من الصفر إلى أن أصبح أكبر مزارع للموز وأصبح ملك الموز في الإكوادور ، تزوج من سيدة إكوادرية وأنجب منها 3 أولاد ثم ماتت الإكوادرية وبعد سنوات زار أبيها لبنان وتعرف على سيدة لبنانية أحبها و تزوجها وأنجب منها ايفون و4 أخوة آخرين . مريم توما أبو حجر لها قصة أخرى حيث جاء أبواها من فلسطين وكانا حديثي الزواج لزيارة أعمام لهم من الإكوادور وكانوا شخصيات مهمة في الإكوادور حيث كانوا من مستوردي الأقمشة من فرنسا ، حدث أن مرضت والدتها فبقوا لفترة وأعجبتهم الإكوادور بقوا بها للأبد و تحول منزل توما أبو حجر للمحطة الاولى التي يبيت فيها كل مهاجر فلسطيني ليلته الأولى في الإكوادور فكان يستقبلهم في الميناء ويستضيفهم إلى ان ينتقلوا إلى الأماكن التي سيستقرون فيها.
زارت ايفون باقي لبنان بعدما انتهت من دراستها قبل الجامعية ، كان عمرها 15 سنة ، وطلبت من أهلها يوفروا لها سيارة بدلا من اقامة حفل لها ، وعلى كورنيش لبنان بالوزاع قابلت شابا وسيما عيونه خضر ،و صدمت سيارته ، هذا التصادم الذي صار بداية صداقة وحب انتهت بالزواج الذي اعترض عليه اهلها كثيرا لأنها كانت صغيرة .. لكن هذا ما حدث وعاشت في لبنان وانجبت محمد وفيصل وتاتيان . أما مريم توما أبو حجر كانت في الرابعة من عمرها حينما قرر أبيها أن يصطحب أولاده الثلاثة إلى فلسطين لكي يتم تعميدهم هناك وتم تعميدها في الكنيسة نفسها التي عمد بها أباها وعلى يد القس نفسه. ليلى دسوم هي الأخرى قرر أبيها اعادتها الى لبنان لأسباب دينية ، بعدما ما رأى ان أولاد عمه قد ضاع دينهم ، فأرسلها هي وأخوتها وأمهم سنة 1966 إلى لبنان وهناك درسوا بمدارس لبنانية ، وبقوا هناك لمدة عشر سنوات وعادوا سنة 1975 بسبب الحرب، كانت التجربة مهمة بالنسبة لارتباطها بالدين الاسلامي فهي في الإكوادور لم تكن تعلم شيئا عن رمضان على سبيل المثال ، وعندما عادت ليلى إلى الإكوادور كانت الصدمة : كل شئ مباح فقررت التحفظ عن مخالطة الناس ، وبالوقت كونت اصدقاءً لأن الانسان بطبيعته لا يحب أن ينعزل عن محيطه .، بعد فترة قابلت ليلى شاباً إكوادوريا ، كان على خلق لكنه لم يكن مسلما ، لم تكن متدينة ولكن كان الدين مهما لها ، كان تقديرها انه يهم فقط أن يكون الرجل على خلق فتزوجته .
اما مريم فقد ارتبطت بالقضية الفلسطينية من حكي أبيها الدائم وكانت تقرأ عن المذابح الفلسطينية في الجرائد وكانت تروعها إلى أن كانت في زيارة لبيرو وتوجهت لمقر منظمة التحرير الفلسطينية في ليما وقالت لهم إنها تريد أن تقدم شيئا لفلسطين فقالوا لها لماذا لا تجمعي ناس من الإكوادور من الممكن أن يساعدوك ، وفي عام 1984 دعيت مريم لحضور المؤتمر الفلسطيني الأول بساو باولو بالبرازيل ، كان هذا المؤتمر البداية فقط حتى اختارها الرئيس عرفات سنة 1996 لتكون ممثلة رسمية فلسطين في الاكوادور .
اما ايفون باقي فقد تم تعيينها قنصلاً للإكوادور في لبنان ، كانت في الخامسة والعشرين من عمرها ومارست عملها الى أن تركت لبنان بسبب الحرب ، وبسبب الحرب مارست ايفون الرسم ، كانت تستغرب هذه الحرب التي قامت بين ناس لأنهم يختلفون في الدين ، اقامت ايفون معرضا لرسوماتها ونجح المعرض وباعت كل اللوحات ، عملت ايفون كذلك سفيرة للإكوادور بواشنطن لمدة 4 سنوات وترشحت لرئاسة الجمهورية بالإكوادور بناءً على نصيحة من أحد أبنائها ، وخسرت ، لكنها تعد نفسها رابحة بنسبة ما . ايفون الآن هي وزيرة التجارة الخارجية في الإكوادور .
أما ليلى دسوم فكانت نقطة التحول في حياتها هو زيارة الشيخين احمد الصيفي واحمد المحيدي للإكوادور ولما كان والدها في الثمانين من عمره وقتها فقد قابلتهم هي بصفتها المسلمة الوحيدة في البلاد ، ومن هنا بدأت رحلة في الدعوة الاسلامية ، طلقت من زوجها غير المسلم وتزوجت بعد ذلك من مسلم إكوادوري يدعى خوان سيكاليو واسمه المسلم يحيى وصار شريكها في الدعوة الاسلامية وأسسا معا المركز الاسلامي بالإكوادور الذي يقوم بالدعوة باللغة الاسبانية حتى يفهمها اهل الاكوادور .

تاريخ العرض : 10 أغسطس / آب عام 2005



تشيلي : البعاد (1)

في اليوم الذي كان فؤاد سيسافر فيه إلى تشيلي هرب . كان يريد أن يذهب لدراسة الطب بالقاهرة ، وكان عمره آنذاك 12 سنة ، حملوه ووضعوه بالسيارة وبدأت الرحلة إلى تشيلي ، يعمل فؤاد مدرسا للغة العربية والتاريخ العربي والاسلامي بالمدرسة العربية في فينيا دلمار ، لم يتحدث معنا فؤاد عن تشيلي ، لم يتحدث إلا عن فلسطين ، الأشياء والذكريات والتفاصيل التي ظل محتفظا بها لأربعين سنة كاملة ، يتذكر فؤاد الجوامع والكنائس ، الشوارع ، السينما ، أفلام عبد الحليم حافظ وفريد شوقي و محمود المليجي .
في سانتياغو يشرح لنا "اسمة بدر" (صاحب شركة سياحة) الكثير عن شيلي ، أسامة مصري من القاهرة وتحديدا من حي عابدين ، كان حلم أسامة أن يفتتح شركة سياحة باسمه وكان تحقيق هذا الحلم صعبا في القاهرة ، على العكس في تشيلي كان المناخ يشجع المستثمرين ، يعيش أسامة في تشيلي منذ عشر سنوات ، احب أسامة تشيلي " هنا فيه احترام ، تستطيع ان تأخذ حقك ، رغم هذا كان للتجربة صعوباتها ، في يوم واحد ، في 24 ساعة تتغير حياتك 180 درجة ، لا أصدقاء ، ولا الأسرة التي يمكن أن تقف إلى جانبك ، هذا غير موضوع اللغة " كان ضروريا أن يتعلم أسامة اللغة الاسبانية ، وقد تعلمها بالفعل.
الضريبة التي يدفعها العربي في تشيلي هي الأبناء ، يشكو أسامة من أنه لم ينجح في أن يعلم ابنه اللغة العربية خاصة وأن أمه غير عربية وهو منفصل عنها ، تعلم العربية في تشيلي ليس سهلا على الاطلاق ، يستعيض أسامة عن مسألة اللغة بمسألة الدين ويحاول تعليم ابنه أساسيات الدين الإسلامي حتى ولو كان هذا باللغة الاسبانية . أسامة هو واحد من مصريين قليلين جدا أتوا الى تشيلي مؤخرا ، السوريين واللبنانيين والأردنيين كانوا أسبق وجاءوا إلى تشيلي منذ بدايات القرن وبأعداد كبيرة أما الجالية الفلسطينية في تشيلي فهي أكبر جالية فلسطينية خارج البلاد العربية . فؤاد هو فلسطيني من بيت لحم ، يقول أنه يعرف كل شوارع سانتياغو لكنه يعرف أيضا كل شوارع بيت لحم ، يعرف مدن شيلي ويعرف كذلك كل مدن فلسطين ، له ناس يحبهم في تشيلي وله ناس يحبهم بفلسطين كذلك ، الحرية التي عاشها فؤاد في تشيلي لا يجدها في أي بلد عربي لذا هو يحب شيلي ويحب شعب شيلي لأنه مثقف وراقي وحساس ، لذا اذا قلت له ان يغادر شيلي ليعيش في سويسرا أو بريطانيا أو امريكا لن يوافق ، لن يغادرها إلا إلى فلسطين المحررة وعاصمتها القدس .
ربما لن يرى فؤاد تحرير فلسطين ، لكن ستراه ابنته ، إنه الهدف الذي يحارب من أجله ، يتذكر فؤاد أباه الذي أجبر على ترك فلسطين لأنه دائما ما كان يلاحق باعتباره واحداً من الوطنيين الفلسطينيين في بيت لحم وكيف كان يضيق عليه في رزقه الأمر الذي لم تحتمله الأسرة فأضطرت للهجرة إلى تشيلي . تعيش جابرييلا ابنة فؤاد مع أمها ويراها كل أسبوع أو كل أسبوعين ويحكي لها عن فلسطين والتاريخ ، وهو يقول لها أنها لابد وأن ترجع إلى فلسطين و إلى بيت لحم ، هو متأكد من هذا ، وقد وعدها به . يدرس فؤاد اللغة العربية في مدارس تشيلي وهو حزين لأن العرب لا يهتمون بتعليم أولادهم اللغة العربية ، على الرغم من أن الألمان في تشيلي يتكلمون الألمانية والإيطاليين يتكلمون الإيطالية .
مدير المدرسة العربية فضل أن يتحدث بالإسبانية، هو لا يجيد العربية أساسا ، هو يرى أن العرب أول ما أتوا إلى تشيلي فضلوا إنشاء مؤسسات اجتماعية كالنادي العربي في مدينة آنتوفاغستا والذي أسس سنة 1902 ، وكانت المؤسسات التعليمية تأتي في المرتبة الثانية ، وقد تأسست المدرسة العربية سنة 1972 وهي ليست مدرسة ثنائية اللغة لكنها مدرسة عادية بها بعض المواد الخاصة باللغة والثقافة العربية . عدم اهتمام العرب بالمؤسسات التعليمية كان بسبب رغبتهم في ادماج ابنائهم بالمجتمع التشيلي ، وبالفعل قد نجحوا في هذا ففي الفترة ما بين 1915 ، و1920 ظهر جيل من المهنيين من أصول عربية كأطباء الاسنان والمهندسين والأطباء ومن مختلف المهن ، وكان هذا هو الجانب الإيجابي ، بينما كان الجانب السلبي هو مسألة اهمال تعليمهم اللغة العربية .
غالب فرحان هلسا جاء لتشيلي من الأردن سنة 1968 ، كان أخيه قد سبقه سنة 1948، وعملا معا في تجارة الأقمشة ، غالب الآن عضو بالبلدية ونائب رئيس الغرفة التجارية ، يعلم غالب أولاده اللغة العربية ويفضل زواجهم من عرب وهو يشكر الله لأن ابنته تزوجت ابن عمها وأردني مثلها ويتمنى أن يتكرر الأمر مع باقي أولاده . زوجة غالب كذلك تعد طعاما عربيا لذلك فالعائلة حافظت على ثقافتها العربية إلى حد كبير . ينظم غالب كذلك مؤتمرات يجمع فيها الشباب من جذور عربية ويحكي لهم عن الصراع مع إسرائيل حتى لا يضيع التاريخ ولا تنسى الجذور . 39 يوما استغرقتها رحلة عفيفي مرزوق من بيروت إلى تشيلي ، هو مهاجر سوري جاء لتشيلي سنة 1932 ، وعاش الصعوبات التي عاشها الجيل الأول من المهاجرين ، وتبعه سنة 1947 ابن خالته لويس كباش .

تاريخ العرض : 31 /اغسطس / آب عام 2005

تشيلي : البعاد (2)

مع نهايات القرن التاسع عشر وفد العرب الأوائل لتشيلي ، وقرروا الاندماج بسرعة وبقوة في المجتمع التشيلي للتغلب على الفروق في اللغة والثقافة . أسسوا العديد من النوادي الاجتماعية والرياضية وكذلك المراكز الثقافية والدينية في مختلف المدن . كانت كرة القدم وسيلة فعالة للاندماج في المجتمع التشيلي ، فالرياضة عموما وسيلة حيوية وفعالة في تسريع الاندماج وكرة القدم من أكثر الرياضات شعبية في أمريكا اللاتينية ، لكن الأمر وصل في تشيلي إلى أن احد النوادي يحمل اسما عربيا وتستطيع ان ترى المشجعين في المدرجات وهم يرفعون الاعلام الفلسطينية .
أليسا فتاة من جذور فلسطينية تحكي قصتها وكيف كان حلمها أن تزور فلسطين ، أن تقابل أهلها ، عملت لمدة سنة كاملة مع أستاذها كمساعدة ، ادخرت بعض المال لتحقيق حلمها كما أعطاها والدها بعض المال الذي يضمن لها ان تعيش ثلاثة أشهر في فلسطين ، حلمت أنها ستزور القدس ، وستزور عائلتها بالقرب بيت لحم ، غادرت يوم 16 ديسمبر / كانون الأول وكان من أحلامها أيضا أنها ستقضي عيد الميلاد في بيت لحم . في المطار وبينما هي واقفة في طابور الجوازات سألها الضباط الاسرائيليين ثلاثة اسئلة وقبل أن تجيب على السؤال الثالث أخرجوها من الصف ومنعوها من الدخول ، هي تستغرب فهي تشيلية وتدخل بجواز سفر تشيلي ، هناك اصطحبوها إلى مكان في نفس الغرفة لكن خلف ستارة ، وتم تفتيشها باستخدام كاشف المعادن بالاضافة لتفتيشها ذاتيا ،ثم جاء شخص فأعطوه جواز سفرها فسألها لماذا تزور اسرائيل تحديد ؟؟ لماذا اختارت بلدا ظروفه صعبة فقالت له إنها تريد أن تكمل شجرة عائلتها . سألها إن كانت تنتمي إلى أي جماعة فقالت للاوخيب (اتحاد الطلبة الفلسطينيين) ، سألها عن أنشطتهم وهل قاموا بمظاهرات ، فأجابته بالايجاب : نعم عند اجتياح بيت جالا وعندما وقعت الأحداث في جنين . اتخذت السلطات الاسرائيلية قرارا بترحيل أليسا لدواعي أمنية ، كانت قد سافرت يوم 16 ديسمبر وعادت لتشيلي يوم 18 الساعة الثانية ظهرا . ربما هذا هو ما دفع صالح جورج إلياس برك البندك أن ييأس من حلم زيارة فلسطين ، هو يريد الذهاب ولكنه يقول "أنا متمشكل" ، صالح كان طالبا يدرس العلوم السياسية بجامعة بيرزيت وجاء إلى تشيلي سنة 1982 عندما أغلقت اسرائيل الجامعة ، وعاد سنة 1987 لما بدأت الانتفاضة وفي عام 1990 اعتقل في سجن النقب وبعد خروجه من السجن جاء لتشيلي سنة 1993 .
صالح يرى أن الفريق الفلسطيني في تشيلي موجود كشعب فلسطين كقوة اقتصادية وأنه " لو العائلات الفلسطينية الغنية في تشيلي قدمت الدعم المالي للنادي سيصير أفضل فريق في البلاد " . أحد المشاركين بالحلقة يرى أن الموجودين بتشيلي حاليا هم الجيل الرابع أو الخامس من المهاجرين ، هؤلاء لم يروا فلسطين ولا يعرفون شيئا عنها فكيف سيقدمون لها الدعم المالي ، لذلك فالدعم الذي تقدمه الجالية للنادي هو دعم بسيط بالمقارنة بما يمكن أن يقدمونه .
نيكولا هو مدرب الفريق الفلسطيني ، وهو يتحدث مع أعضاء فريقه باللهجة الفلسطينية ، أحد اللاعبين يتحدث حول مسألة الهوية ، فقد ولد في تشيلي لكن جذوره فلسطينية ، جذوره الفلسطينية هذه تجعله فخورا ولذلك فقد قرر أن يلعب مع المنتخب الفلسطيني وليس التشيلي ، المدرب نيكولا يقول أن اللاعبين الفلسطينيين داخل الملعب لا يفكرون في الكرة ، إنما في فلسطين ، هم يدركون حجم معاناة الفلسطينيين ، ويدركون حجم الفرح الذي قد يهدونه لشعبهم بالفوز ، لذلك فهم أكثر من فريق كرة قدم ، هم جيش بلا سلاح لشعب بلا بلد .
جيريميو يعتقد أن الفريق بحاجة كذلك لتشجيع أكبر في المدرجات ، لأن تمتلئ هذه المدرجات وأن يكتسبوا مشجعين من خارج الجالية الفلسطينية . نيكولا يستشهد بمقولة لبن جوريون حينما سأله أحد الصحفيين عما سيفعله مع الشعب الفلسطيني ، فقال له : "الانتحاريون بدهم يموتوا ، والشباب بده ينسى ، وانت بدك تشوف" نيكولا يؤكد أن بن جوريون كان مخطئا لأن الشباب الفلسطيني ما نسي أبدا ولو مرت مائة سنة لن ينسى الشباب الفلسطيني فلسطين. كل من صالح ونيكولا يرون أن الجيل الجديد أفضل منهما كذلك ، " ملتزم جدا بالقضية الفلسطينية ، مهتم بالكمبيوتر ، يعرف منه أخبار فلسطين ، ويكتب مقالات ، ودائما وباستمرار في حالة نشاط" . كان نيكولا في عمر السادسة حينما كان يتابع أخبار العدوان الثلاثي على مصر مع أبيه ، أثر فيه الحدث كثيرا ، وعندما كبر انضم إلى جماعات الشباب الفلسطيني في تشيلي ، وساهم في تكوين جماعات فلسطينية عل امتداد شيلي كلها ، ثم عمل أيضا على تنظيم الشباب في أمريكا اللاتينية كلها في الاكوادور وبيرو والهندوراس ونيكاراغوا .
أما مجموعة الأوخيب ، أو اتحاد الطلبة الفلسطينيين فقد تأسس عام 2000 ، وهم يكرسون جهودهم للتعريف بالقضية الفلسطينية التي تلقى تعتيما بسبب سيطرة الصهيونية على الاعلام ، هناك كذلك منظمات أخرى مثل منظمة الشباب من أجل فلسطين وبيت لحم 2000 . أليسا قررت خوض معركة قضائية ضد الدولة التشيلية لأنها لم تقدم لها دعما في الموقف الذي تعرضت له ، الموقف بأكمله حسم رؤيتها لهويتها مائة بالمائة لصالح فلسطين ، ومازال كل من صالح ونيكولا يدركان أنهما لن يتمكنا من دخول فلسطين .

تاريخ العرض : 7 / سبتمبر / أيلول عام 2005

كوبا : سيجار وقهوة عربي

يتحدث في الحلقة الفنان التشكيلي كميل ابو جودة وهو كوبي من اصل لبناني عن عائلته التي هاجرت لكوبا سنة 1920 ، كلما دخل كميل المطبخ يتذكر عائلته التي تعلم منها فنون الطبخ العربي ، كانت عائلته تبحث في كل مكان عن القمح وكان نادر الوجود ، وحينما كانوا يفشلون في الحصول على منتجات تساعدهم في صنع اطباقهم العربية كانوا يستعيضون عنها بمنتجات كوبية فيستخدمون البازلاء مثلا لصنع طبق الحمص الشهير فيصبح لديهم اطباق عربية بنكهة كوبية ، في كثير من المشاهد نرى كميل وهو يرسم ، يختار عارضته ايريني صديقة زوجته ، يرسم بالفرشاة ويحرص على السرعة كي تكون اللوحة معبرة جدا ، هو عادة يحب رسم الوجوه والعيون الحزينة التي تذكره بجدته وعائلته ، يهتم النقاد بأعماله كثيرا ، وهو يرى ان ذلك يرجع لكون ان موضوعه العربي غير مطروق في اوساط الفنانين الكوبيين ، واحدا فقط هو صديقه و أبن بلده قيصر خليل مارتينيز يرسم وجوها عربية حزينة أيضا ، هو يقول انه يتذكر تلك النظرة من عيون جدوده وأعمامه وأنها نتيجة ذكرياتهم التي تحولت الى تلك النظرة الضائعة .

رسامة تشكيلية اخرى تحكي عن جدتها لوالدها التي هاجرت من لبنان في عشرينات القرن الماضي ، كانت هجرتها لكولومبيا وبعدها بسنوات لحق بها جدا وجدة آخرين ومن كولومبيا انتقلوا إلى كوبا ، هي تقول ان في لوحاتها دائما تجد موضوعات عربية ، هي ايضا تحب الكتابة وقد كتبت شعرا منذ الصغر ونشرت بعض اعمالها في مجلة تدعى الوحدة العربية ، وهي مجلة مهتمة بنشر ابداعات الجالية الكوبية العربية ، تعد القهوة في مطبخها وهي تحدثنا عن اهمية المطبخ بالنسبة للعربي ، تعلمت ان تطهو أطباقا عربية كالكبة والهريسة والمكرونة والملفوف والحمص ، وتحدثنا عن القهوة التي يعشقها الكوبيون كما يعشقها العرب ، وتحدثنا كذلك عن فيروز التي تحب الاستماع اليها لأنها تحب الموسيقى العربية .

تحكي لنا عن عشقها لفن التصوير الذي بدأ من خلال عشق أبيها له ، كان لدى الأب جهاز عرض منزلي كي يصور ويعرض الصور من داخله ، زوجها ايضا كان مهتما بالتصوير وبالثقافة العربية والإسلامية وشجعته على اقامة معرض حول الحضارة العربية ، يعرض صورا لنساء محجبات ، نساء وهن يصلين ، معرضا يستوحي كافة اشكال الحياة اليومية للمسلمين ، ولما كانت هي عربية الملامح فقد اصبحت هي الموديل الخاص به وارتدت الحجاب وقام هو بتصويرها ، وبهذه الصور اقاما معرضهما الاول .

هي كذلك تحب فن الخط العربي ، وفي بدايات عملها بالفن كانت تستعين بصور لاقاربها وصورا ومشاهد للبنان ومناظر من اماكن متفرقة من الوطن العربي ، كما ترسم خطوطا عربية بالزيت .

مشاركة أخرى في الحلقة تعمل كمصممة أزياء، ترى أنها ورثت المهنة عن جدتها التي كانت تخيط الثياب بينما كان جدها يجوب القرى على ظهر حصان ليبيع هذه الملابس، هاجرت اسرتها عام 1898 من سوريا ، ذهبا اولا الى البرازيل وشاهدا لأول مرة في حياتهما رجلا اسود وجريا ورائه ولمساه ليريا ان كان هذا اللون يترك أثرا وكانا هما شقراوان في المقابل ، تركا البرازيل فيما بعد ليصلا الى كولون ويستقرا بمستعمرة للبنانيين والسوريين، هي ترى ان الملابس شئ هام في الاستيطان العربي في كوبا ، وما تفعله هي من تصميم للأزياء وثيق الصلة بما فعله اجدادها من الاتجار بهذه الملابس.

خوسيه ميغل كريغو هو موسيقي كوبي هاجر اجداده من الاردن إلى إسبانيا ، يشعر ان شيئا من روحه مرتبط بثقافات هذا الشرق ، يخبرنا خوسيه انه يقوم بتسجيل اسطوانة موسيقية خاصة بموسيقى اللاتين جاز وانه سيضمنها ستة أغاني تحمل الطابع العربي ،مستخدما فيها ادوات النقر والطبل الهندي ،وهو يعتبر ان مهمته هي مزج الموسيقى الكوبية والكاريبية بالموسيقى العربية ، تخرج خوسيه في المعهد العالي للفنون سنة 1976 واكتسب خبرات ثقافية عديدة وفي النهاية قرر تأسيس فرقة لموسيقى اللاتين جاز اسمها "توب سيكرت" .

القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في وجدان فناني كوبا ذوي الجذور العربية فالمشاركة الأولى الرسامة لبنانية الأصل كتبت قصيدة حول الانتفاضة ترجمت الى العربية فضلاً عن اعمالها الفنية الاخرى ، والمشاركة الثانية مصمة الأزياء ترى أن التأثير العربي يبدو جليا في ابداعاتها من خلال الشفافية للنور وهي احدى سمات الفن العربي الموجود في هذا البلد .



بنما : حكايات عربية

يحكي خالد سلامة نقلا عن مؤرخ اسمه كارلوس كان يعمل رئيسا للمعهد الثقافي البنمي العربي ان كثيرا من الذين حاربوا مع بوليفار ليحرر أمريكا اللاتينية من الإسبان كانوا عربا ، فالعرب كانوا حاقدين على الإسبان بعد خروجهم من الأندلس ، هو يؤكد كذلك ان بنما بها اسماءا كثيرة لبشر ومدن وأماكن من أصول عربية .

كانوا يحملون الهويات التركية وقليل من المال واسماء حرفت لصعوبة نطقها وغرابتها عن اللغة الإسبانية ، هم انفسهم كانوا يتخلون عن أسمائهم ويغيرونها بحثا عن اندماج اسهل في المجتمع الجديد .

مشارك اول بالحلقة يحكي عن جده الذي اتي عبر البحر إلى فنزويلا اولا ، وفي المركب كان يوجد ناس لهم اسماء مثل رودريجيث والفاريز و دويمنجيث وبينما كان لقب الجد هو عبد المؤمن الا انه اختار ان يغيره ليصبح دومينجيث ، في فنزويلا تورط بمشاجرة قتل فيها شخصا فهاجر الى بنما ويحكي حفيده الآن أن أبيه لم يكن يرغب في ان يعرفوا اللغة العربية ولا الحياة العربية ، كان عليهم ان يكونوا مواطنين بنميين .

كاميليو غصيني يحكي عن والده الذي هاجر من لبنان سنة 1932 ، وكان حريصا على ان يعرف ابنائه جذور العائلة في لبنان حتى ان كاميليو نفسه يصحب اولاده للبنان ، ولد كاميليو في بنما وكذلك اخته كاميلا ، وبالرغم من انتماءوالديهما للطائفة الدرزية الا ان الأبناء التحقوا بمدارس كاثوليكية وصارا بنميين من كافة الأوجه . المشاركة الاولى في الحلقة تعتقد ان والدها اللبناني هاجر الى بنما لاسباب تجارية وهناك تعرف على والدتها البنمية وتزوجها ، وكان يحرص على اصطحابهم لزيارة لبنان وقد كانت آخر زيارة لهم في العام 1984 وبعدها مات الأب وماتت معه كل صلاتهم بالعالم العربي . استقلت بنما عن كولومبيا عام 1903 ، وعاشت قرنا كدولة مستقلة تقاطع فيه مصيرها كثيرا مع مصير العرب .

خالد سلامة هو فلسطيني من كفر مالك ، طرد من الكلية عشر مرات عقب احتجاجه على حلف بغداد ، ثم وضع قيد الاقامة الجبرية ولم يسمحوا له بالسفر الا عندما علموا انه سيسافر الى امريكا اللاتينية وليس الى احدى الدول الاشتراكية ، جاء الى بنما وظل 75 يوما ليتعلم اللغة ، ثم اصر ألا يكون عالة على اعمامه ولا أخيه ، وقرر أن يخرج بالكشة ، ويدق على الابواب ليبيع ويتاجر كباقي المهاجرين العرب وكان يبكي لأن هذا ما لم يكن يريده لحياته .

مشارك ثاني بالحلقة ، فلسطيني ايضا ، حصل على التوجيهية وذهب إلى مصر كي يعمل معادلة لشهادته تمكنه من دراسة الطب ، وقعت نكسة 1967 وظل بمصر وعمل مع الليبيين . مشارك ثالث بالحلقة تخرج من الجامعة الامريكية عام 1992 وكان مستعدا للعمل بالخليج كقطر او الامارات لكن كانت سياسات هذه الدول عقب حرب الخليج الاولى ادت الى تحجيم هجرة عدد من العرب اليها ، عرض عليه زوج اخته المجئ إلى بنما وذهب وكان ينوي ان يظل لسنتين فقط ، لكنه بقى لستة عشر عاما ، في صراع مع نفسه حول فكرة العودة والبقاء، لكنه يؤكد تمسكه بالعادات والتقاليد العربية 100% ، ولأنه لاحظ ان الناس في بنما يحبون الأكل العربي افتتح مطعما عربيا .

بعدما انتهى الفرنسي فرديناند ديلسيبس من مشروع قناة السويس بدأ يفكر في حفر قناة بنما ، كانت ما تزال بنما جزءا من كولومبيا ، واقامت الشركة اتفاقا معها يقضي بقيامها باستغلال القناة لمدة مائة عام ، لم تستطع الشركة اتمام المشروع نظرا لانتشار الأوبئة ، ودخلت الولايات المتحدة التي كانت ما تزال قوة ناشئة لتشتري الشركة ، وترد على معارضة كولومبيا بتشجيع البنميين على الانفصال عن كولومبيا وهو ما حدث فعلا سنة 1903 .

اعطت الولايات المتحدة المنشقين مائة الف دولار وعلما شبيها بالعلم الامريكي ، وتدخلت عسكريا لردع التدخل العسكري الكولومبي ، واستكمل مشروع قناة بنما التي افتتحت بالفعل سنة 1914 مع اتفاق بالسيطرة الامريكية الكاملة عليها لمدة مائة عام .

كان البنميون يشعرون بالمهانة ازاء هذا الوضع ويشعرون ان الأمريكيين يعاملونهم كعبيد ، سنة 1969 قام الجنرال عمر توريخوس بانقلاب عسكري مستوحيا تجربة جمال عبد الناصر في مصر ، كاميليو غصين يحكي عن حب والديه لجمال عبد الناصر ، ورغبتهم في استعادة قناتهم كما فعل هو ، وقع توريخوس اتفاقية مع كارتر والتي بمقتضاها غادر آخر جندي امريكي بنما سنة 1999 ، قتل بعدها توريخوس في حادث تحطم طائرة غامض وتولى بعده مانويل نورييجا والذي كان صديقه ، ورئيسا لجهاز المخابرات ، ومقربا من الولايات المتحدة .

فنزويلا طريق زرياب

-رافاييل سالازار ، موسيقي فنزويلي ، من مواليد جزيرة مرغريتا سنة 1944 ، يقول ان الجزيرة قد تأثرت بالموسيقى الإسبانية والموسيقى العربية الأندلسية تحديداً ، فأدرك صعوبة دراسة الموسيقى الفنزويلية بدون الرجوع إلى الموسيقى العربية ، فنزويلا بلد موسيقي ونادرا ما تجد بيت ليس به شخص يعزف على آلة ما ، خاصة آلة الكواترو وهي آلة قريبة الشبه بالعود العربي .

مشاركة أخرى بالحلقة تحكي عن انبهارها بجبل كراكاس الذي يغير طبيعته وشكله كل يوم ، هي ولدت بحلب ، وفي حلب لا يوجد جبال فكانت تذهب مع اسرتها للتصييف بجبال الشام . هاجرت من حلب إلى فنزويلا سنة 1946 وكانت دائما ما تطلب من أمها ان ترسل لها " فول وبرغل " ، لم تكن هذه الأشياء متوفرة بكثرة في فنزويلا ، وكانت تعد كل شئ ببيتها حتى الجبن ، لذلك فقد نشأت اسرتها محبة للأكل العربي وحتى احفادها المولودين في فنزويلا يطلبون منها ان تعد لهم " محشي ورق عنب " ، حمص ، و كبة .

بدأت تندمج بالمجتمع الفنزويلي بعد قيامها بتعلم الرسم . فبعد ان انجبت آخر اطفالها ، وصار عمره سنتين شعرت بفراغ كبير ، حيث لا أهل معها ولا أقارب ، وفي أحد الأيام كانت في الحديقة مع اولادها حين قابلت استاذاً يعلم الرسم لمجموعة من التلاميذ فطلبت منه أن تتعلم ، والتحقت بمعهد الفنون الجميلة وعندما انتهت من دراستها طلب منها استاذها أن تعمل معه على تأسيس أكاديمية . و قد كان ، وصارت من مؤسسي نقابة الفنانين للرسم بالماء. تستعرض لنا لوحة رسمتها بايحاء من حرب العراق سنة 1990 ، هي رسمت أيضا لوحة لسيمون بوليفار وتقدمت إلى مسابقة بلوحتين كان هو موضوعها ،وهو محرر أمريكا اللاتينية ، وهي فخورة بأن ترسمه ، فهي تشعر انها فنزويلية ، تماما مثل كونها سورية ، هي عاشت هنا في فنزويلا منذ عام 46 ، اولادها واحفادها وحتى زوجها ولدوا بفنزويلا . رافييل سلازار يعتبر ان الفنزويليين هم احفاد العرب موسيقيا ، ويحكي قصة زرياب الموسيقي العربي القادم من العراق والذي أنشأ أول مدرسة للغناء في قرطبة ، الذي نقل الموسيقى العربية إلى إسبانيا ، ونقلتها إسبانيا إلى أمريكا اللاتينية وصارت هي موسيقاهم .

مشاركة ثانية في الحلقة ترجع سبب اعجابها للجبال في فنزويلا لتشابه هذا مع بلدتها مربك في سوريا التي كانت تطوف في جبالها وقت جمع العنب والتين ، في الحقيقة هي ولدت في فنزويلا لأب سوري درزي ، اعادها الأب وهي في عمر الست سنوات إلى قريته كي تنشأ على العادات والتقاليد العربية وعاشت هناك بالفعل سبع سنوات قبل أن تعود إلى فنزويلا وهي في سن الرابعة عشر أو الخامسة عشر وتقرر أن تعيش في فنزويلا وتدرس هناك ، درست تصميم الجرافيك وحصلت على شهادة أخرى في التصوير الفوتوغرافي وتعمل الآن مصورة صحفية ، وتصور كذلك صورا فنية أبرزها مجموعة "الفراشة" التي تراها رمزاً لتحولات الحياة والموت ، مجموعة أخرى عن العالم العربي اسمتها "شرف قلبي" وهي تعتبرها تكريما لوالدها ولسوريا التي نشأت فيها . تنتمي دماؤها ، حسب قولها إلى الثقافة العربية ولهذا قدمت هذه المجموعة . وفي بيتها كذلك لوحة لسيمون بوليفار ، هي ترى ان العرب يبحثون دائما عن شئ يكون رمزا للكرامة والنضال .

رافييل سالازار يطوف بنا بين عوالم الموسيقى الفنزويلية ونسمع أغنيات شديدة الشبه بالأغاني العربية ، هو يرى أن أكثر نموذج يبدو فيه هذا التشابه جليا هو اغاني الرعاة والمزارعين الفنزويليين التي تأثرت بأغاني الجمالين العرب .

مشاركة ثالثة درست الأدب والتحليل الفرنسي وتعيش في الوسط الثقافي الفرنسي منذ ثلاثين عاما وهي من أصول مختلطة فأمها فنزويلية وجدها كان لبنانياً اسمه فارس راميا ، عمل بالتجارة كأغلبية العرب ، وفي بيت هذا الجد أسست مؤسسة ثقافية تعني بشؤن المسرح ، وهي تعتبر الأمر مثيرا للغاية فحتى هواتف المسرح في هذه المؤسسة ما زالت باسم الجد اللبناني .

رافييل سالازار يؤكد على فكرة تآخي الشعوب والثقافات ، تتشابه تقاليد الطعام العربية مع الفنزويلية ، طريقة العربي ، تعاطفه ، طريقة كلامه المتعجلة ، حتى اللغة الإسبانية ف 20 % من مفرادتها عربية ، فهم هنا لاتينيون أقرب إلى العالم العربي فهذا العالم هو جذورهم ، ويحلم رافييل أن يقوم مرة أخرى بنفس رحلة زرياب أن يبدأها من دمشق إلى بغداد (وهذا أمر صعب الآن ) ، ثم فلسطين (وهذا صعب كذلك بدوره) ثم مصر ومنها الى تونس والمغرب ، وتنتهي الرحلة في قرطبة ، هو يحلم ان يمتلك خريطة جينية للموسيقى في العالم .



هافانا : صور حية

تزامن اللقاء في هافانا مع الذكرى السادسة والعشرين لتأسيس الاتحاد العربي في كوبا ، تأسيس الاتحاد هو الانجاز الأكبر للجالية العربية في هذا البلد ، فمن خلاله تم توثيق وتأكيد الموقف الموحد للبنانيين والسوريين والفلسطينيين . العرب في كوبا منذ عام 1905 وهم يحاولون تأسيس كيانات تعبر عن وجودهم لكن لا توجد وثائق لتاريخ تلك الفترة ويعد الاتحاد العربي هو الإستكمال الذي قام به العرب في هذا المشروع باولا ممثلة كوبية ، ابوها فلسطيني شارك في الحرب العالمية الثانية ، ثم تعرض لضائقة اقتصادية هاجر بسببها الى مرسيليا التي بقى بها 6 شهور ، ولم تتحسن حالته فهاجر الى القارة الامريكية وذهب أولا إلى المكسيك وظل بها خمس سنوات ثم جاء لكوبا ، وتحديدا في الشرق ، في مدينة تدعى منثانييو ، ثم انتقل إلى الغرب في مدينة كاندلاريا ، وهناك أسس محله للتجارة وكون أسرة صغيرة وبقى بها حتى وفاته عام 1985 . تطلعنا كارلا على صور لأبيها في فلسطين ، كان الأب يعمل مزارعا في فلسطين وحين قدم إلى كوبا تعلم القراءة والكتابة باللغة الاسبانية ، وكان لديه اصدقاء من العرب الذين قدموا إلى كوبا في نفس الفترة تقريبا وكانوا يأتون إلى بيته ويرقصون ويغنون أغاني عربية وكانوا يتزاورون مع العديد من الكوبيين و يتناولون معاً المأكولات العربية ، ويحكون لهم قصصا من الثقافة العربية عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام وعن السيد المسيح عليه السلام .

أحد المشاركين في الحوار يحكي عن ابيه الذي أتى هو الآخر من فلسطين ، عاش أكثر من ثمانين سنة ، سبعون منها في كوبا ، اطلق على أبنائه الستة اسماءً عربية وعلمهم ضرورة الاعتزاز بجنسهم . يحكي كذلك عن علاقات العرب واليهود في كوبا ، الجميع كانوا يتجاورون وكانوا يعملون معا ، وكان هناك النادي العربي وكان هناك النادي الصهيوني الذي أغلقته السلطات سنة 1968 لأنه كان يقوم بأعمال ضد المجتمع الكوبي . حاول هو دخول فلسطين وزيارتها أربع مرات فلم يسمح له بالمرور عبر نقاط الحدود التي تسيطر عليها السلطات الإسرائلية ، أسباب المنع كانت انه يحمل جواز سفر كوبي وكوبا ليست لها علاقات متبادلة مع إسرائيل حيث تم قطع العلاقات في مؤتمر عدم الانحياز بالجزائر ، السبب الثاني هو كونه ينتمي لأصول عربية فلسطينية . لكن في أحد المرات التي كان يقوم خلالها بجولة مع الاتحاد العربي لعدة دول ووصل الى الاردن وعبر نهر الأردن ، كان معه وفود من السياح يابانيون واوربيون ، سمحوا لهم بالدخول إلا هو ، قال لهم أنه يريد الدخول لأسباب سياحية وانه فقط يريد زيارة الاراضي المقدسة ، مرت ساعة ونصف قبل ان يسمحوا له بالدخول .. حسنا ها انت الآن في ارضك، ماذا تريد ان تفعل ، قال له له مرافقه كان بذهنه الكثير من الأشياء .

مشارك آخر ينتمي إلى عائلة الخوري اللبنانية ، والتي هاجرت من شمال لبنان في القرن التاسع عشر واستقرت في هاييتي لمدة 8 سنوات تقريبا ، ثم ومع مولد أبيه بيدرو خوري قررت العائلة الهجرة إلى كوبا . كان الأب بيدرو خوري من أبرز الطلاب في المرحلة الثانوية ووفد إلى هافانا ليدرس الطب وكان بالفعل أول الخريجين على دفعة الطب وتزوج وأنجب أربع أبناء ، وواصل مسيرته المهنية وصار رئيس قلم علم النفس الغيبي .

في عام 1937 تم تأسيس معهد الطب الاستوائي ، الذي يحمل اسم بيدرو خوري ، ورغم أنه كان معهداً صغيراً إلا أنه كان يقوم بدور هام لأنه تخصص في علاج الفقراء ، وتطبيب الأمراض الناتجة عن الفقر ، لم يؤسس بيدرو خوري عيادة خاصة ولا كان يعمل بهذا المستشفى مجاناً وكان لديه معمل لصناعة الأدوية يوفر له حياة ذات مستوى متوسط . الإبن درس الطب كذلك وتخرج في العام 1962 ، وذهب إلى الجبل ليعمل كطبيب ريفي لمدة عام عاد بعدها إلى هافانا ليدرس الطفيليات والميكروبات ويترقى في مناصبه العلمية حتى صار نائب رئيس جامعة هافانا .

محمد علي شريف ، فلسطيني من مخيمات سوريا ، قدم إلى كوبا سنة 1992 من أجل الدراسة ، حيث درس الهندسة المعمارية وهو يحضر الآن للماجستير ، درس أولا اللغة الإسبانية في سنة تمهيدية في مدينة ماتنساس ثم جاء إلى هافانا العاصمة وتعرف على أنشطة الإتحاد العربي وانتخب عضواً بلجنته الشبابية ،على اساس أن يكون همزة الوصل بين اللجنة والطلاب العرب الدارسين في كوبا . بدأ يعمل كذلك في الإتحاد العربي على تدريس اللغة العربية ، وصار عنده حوالي 18 دارساً ينتمون إلى مستويين دراسيين .

مشاركة أخرى بالحلقة تقول أن عائلتها كانت صغيرة جداً في كوبا حيث هاجر جزء من العائلة إلى كوبا وهاجر جزء آخر إلى الولايات المتحدة ، تؤكد حرصها على ممارسة الثقافة العربية ، من اول فن الطبخ الى الثقافة والعادات الى تعليم اولادها ضرورة الدفاع عن القضايا العربية كفلسطين والعراق . قضايا الشعب الفلسطيني والعراقي ظلت من أولويات العرب في كوبا وتم تأسيس لجنة للتضامن مع الشعب الفلسطيني وأيضا ضد الحرب الظالمة على العراق .



إما بونينو : نشر االحرية والديموقراطية

" إما " إيطالية ولدت لعائلة مزارعين فقراء بشمال ايطاليا بعد الحرب العالمية الثانية ، كانت العائلة مهتمة بتعليم أبنائها ، لكن كان هناك حرص أكبر على تعليم الذكور تعليما جامعيا ، وأن تكتفي الفتيات بالتعليم المتوسط ، لم تقبل إما بهذه المعادلة والتحقت بجامعة ميلانو في منتصف الستينات ، كان لا يزال المجتمع الايطالي متحفظا فيما يخص المرأة لذا فقد عارض والداها تركها لبيت العائلة للالتحاق بالجامعة .

تنتمي للحزب الراديكالي الايطالي وهي ترى أن الكثير من حقوقنا البديهية التي نعيش بها اليوم هي ثمار كفاح هؤلاء الراديكاليين الذين يعدون حزباً مؤثراً في تاريخ الحياة السياسية في ايطالياً .

تتعلم " إما " العربية ، هي على وشك إلقاء كلمة عن الحقوق السياسية للمرأة وتطلب من معلمها للغة العربية ان يعلمها كلمات عربية تستطيع ان تقدم بها لكلمتها في المؤتمر ، تتعلم كلمات مثل "اريد ان اشكر الحكومة اليمنية" ، "ورئيسة الاتحاد" ، استغرب الجميع في البداية فكرة تعلمها العربية ، وقال لها زملائها في البرلمان أن الناس يذهبون الى هارفارد أو الى اي جامعة في لندن لتعلم اللغة ، كان برأيهم أن الأفضل لها أن تتعلم الإنجليزية لا العربية ، لكنها ردت بأن تعلمها للغة وراءه هدف سياسي ، فهي لا تريد أن تفتح مطعما ولكنها تريد العدل الذي لا يأتي بلا سلام .

في عام 1999 بدأت إما تفكر كثيراً في أنهم كأوربيين لا يولون اهتماما حقيقيا لمعرفة العالم العربي ، ولذا فقد قررت أن تقضي كثير من الأوقات في مصر ، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 شعرت أنه الآن وأكثر من أي وقت آخر لابد أن تفهم ، ومن وقتها وهي تقيم بالقاهرة .

وجدت أن القاهرة أفضل لها كثيرا من دمشق أو عمان أو مراكش وهي المدن التي طرحت عليها ، اختارت القاهرة لأنها ملتقى طرق للجميع ، فهي المكان الذي يمر عبره الجميع من الناحية السياسية ، فهي من الناحية السياسية مقر جامعة الدول العربية ، وهي أفضل مكان يمكن أن تجمع فيه ما بين احتياجاتها السياسية واحتياجاتها لتعلم اللغة .

تنفق إما كثيرا على شراء الكتب ولا تستطيع السيطرة على نفسها ، خاصة وأن الكتب المترجمة إلى الانجليزية باهظة الثمن لكنها لا يمكن أن تسافر دون شراء عمارة يعقوبيان لعلاء الاسواني .

الناس في القاهرة يستغربون وجود امرأة شقراء وحيدة في السادسة والخمسين بمفردها في القاهرة لتعلم العربية ، يسألها البواب وغيره من الناس اسئلة متشابهة : هل هي تعمل في البعثة الاوربية ؟ ، هل هي سفيرة ؟ ، هل تعملين بالولايات المتحدة ؟ ولما كانت كل اجاباتها بالنفي فقد قال لها البواب مؤخرا : " لابد وانك ستفتحين محل بيتزا " .

تقضي إما وقتاً طويلاً أمام شاشة التلفاز تشاهد نشرات الأخبار ، تتابع الجزيرة ، والعربية احياناً ، وقنوات لبنانية ، هذا جزء من مهامها لتعلم اللغة ، فمدرس العربية يطلب منها تقريرا يومياً عما شاهدته بالنشرة ، مشاهدة النشرة ولد لديها افكاراً حول صورة العالم العربي لدى اوروبا ، فالأوربيين يعتقدون ان العالم العربي ينقسم الى أنظمة مستقرة واسلاميين متطرفين ، هي ترى بالفعل أن العالم العربي مستقر أكثر من اللازم ، إلى درجة الشلل ، فأي رئيس يبقى في السلطة لعشرين عاما أو خمسة وعشرين ، هذا غير الملوك ، اما الإسلام المتطرف فهو ما لم تقابله في القاهرة ، قابلت على العكس نساء نشيطات ، برجوازية تحاول التحرك ، مجتمعا شديد الحيوية ، مما جعلها تتساءل هل أوروبا هي التي تريد رؤية هذه الصورة حتى لا تتم مساءلتها على سياستها تجاه دول البحر الابيض ، هي تؤمن أن البحر الأبيض المتوسط هو بحيرة تجمعنا لا بحر يفرقنا . عندما تم اختطاف الصحفيين الفرنسيين في العراق تم التركيز على الحدث في وسائل الاعلام الفرنسية لأسابيع وشهور ، اما حين يتم خطف عراقيين وهم الغالبية العظمى لا أحد يهتم بتحليل هذه الظاهرة ، هي ترى بدورها أن الارهاب هو عدو للعرب ويمثل مشكلة كبيرة لهم كما هو عدو للغرب .

سافرت إما إلى دول عديدة .. لكن ما يدهشها هنا هم البشر ، هم ودودن للغاية بشوشون ، وفيما يتعلق بالأجانب يفعلون المستحيل ، الكل يشارك ، الكل يبتسم ، وهذا هو العنصر الإنساني وهو هام للغاية .

ما يضايقها هو أن الشوارع ليست نظيفة ، الناس لا يهتمون بالصيانة ولا حتى للمباني ، وما ينقصها هو أنها تشعر بالوحدة ، فهنا مجتمع يولي اهتماما كبيرا إلى الأسرة ، والاسرة لها ارتباطاتها الخاصة ، وبالرغم من أن لديها ارتباطاتها الخاصة فإنه من الصعب وهي في السادسة والخمسين من عمرها ان تخرج في المساء أو أن تذهب إلى السينما برفقة صديقاتها ، لأنهن بلا شك لديهن التزامات تجاه أسرهن ، لذا فهي تشعر بالوحدة وافتقاد الصداقة .



بيتر كواي : اول مطعم صيني بالأردن

هو في الأصل كواي سونغ ماو ، ولد في سنة 1929 في اوهانغ ، بالقسم الاوسط من الصين، بالقرب من نهر يانتسي ، في عام 1937 حدث الاجتياح الياباني للصين فاصطحبتهم والدته إلى القسم الغربي من البلاد ، وهناك أنهى دراسته الابتدائية ثم التحق بالمدرسة التحضيرية لسلاح الجو الأمريكي ، كان يريد ان يحارب اليابانيين كطيار محارب محترف ، لكن قبل تخرجه كان اليابانيون قد استسلموا واندلعت الحرب الأهلية بين الشيوعيين والحكومة الصينية ، والتي انتهت بانتصار الشيوعيين ، انتقل كواي إلى تايوان مع سلاح الجو ، وبالفعل أصبح طياراً مقاتلاً في عام 1950 ، وظل يعمل 18 سنة كاملة في تايوان ، على طول الساحل الصيني وكانت مهمته مراقبة تحركات الصينيين .

في سنة 1967 تم تعيينه ملحقاً جوياً للعمل في السفارة التايوانية في الاردن ، كان السفير هو قائد القوات الجوية في تايوان ، وكان يحتاج إلى شخص يساعده على إدارة العلاقات مع الاردن في مجال السلاح الجوي ، ولم يتصور أنه سيبقى كل هذه المدة ، فقد اعجب السفير بعمله وقام بتمديد مهمته لثلاث فترات متواصلة أي لتسع سنوات كاملة . يسكن كواي في منطقة جبل عمان وهي منطقة يفضل الأجانب كثيراً السكن بها ، ولكن مطعمه يقع في منطقة عبدون ، وهي منطقة اقيمت بعد عام 1990 وتقطنها الطبقة المخملية بالاردن وهو يورد شهادة صديق أمريكي عنها بأنها تشبه بيفرلي هيلز .

بعد عمله لتسع سنوات في السفارة التايوانية صدرت له الأوامر بالعودة وتناقش مع أسرته اذا كان عليهم ان يعودوا إلى تايوان أم يستمروا في الاردن فقررت الأسرة انه من الأفضل ان يعيش بعمان بعد التقاعد ، فقد أحبوا الشعب الأردني كثيراً لأنه ودود .

اما قصة المطعم فتبدأ في عام 1975 حيث قال الأمير الحسن ولي العهد السابق في احدى المناسبات أن كل بلاد العالم بها مطعم صيني ما عدا عمان ومن هنا جاءت الفكرة فاتصل بطباخ كان يعرفه وهو يعمل بالسفارة وطلب منه أن يعمل معه ، كذلك عاونته زوجته ، كان عملاً جديداً عليه ، لكنه كان يستطيع وقتها أن يعمل لأربعة عشر أو خمسة عشر ساعة في اليوم .

في البداية كان نصف زبائن المطعم اجانب ونصفهم عرب ، فلم يكن العرب وقتها على علم بالأطعمة الصينية ، فبدأ كواي وفريقه ، يشرحون لهم ويساعدونهم في اختيار أطباقهم ، والآن وبعد 29 عاما صار 95 % من زبائنه من العرب . وهذا دليل على استعداد الناس لتقبل الطعام الصيني .

مواقف عديدة طريفة قابلها كواي في رحلة تعرف الاردنيين على الطعام الصيني ، فهو كان يقدم طبق الموز المقلي بالعسل وهو من الحلوى الصينية ، وكالعادة كان يقدم مع الطبق وعاء من الماء بهدف تبريد الموز قبل أكله ، لكن رواد المطعم في البداية كانوا يعتقدون أن هذا الماء لغسل الأيدي ، بالوقت صاروا يعرفون وصار طبقا مفضلاً لكثير من العرب ، بعضهم يحبه بالفلفل ، وبعضهم يحبه مقليا جدا ، ، وبعضهم يحب الصلصة الى جانبه .

يتذكر كواي بالطبع زيارة الملك حسين إلى مطعمه ، وكان بصحبته الملكة نور ، وكيف كان مهذباً ومتواضعاً ، لم يحجز طاولة ، وحينما دخل قام الاردنيون فصافحهم جميعا وطلب منهم الجلوس .

في البداية كان يعتقد هو وزوجته ان كل الرجال بالاردن متشابهون فلديهم شوارب وينمو شعر على اجسادهم بعكس الصينيين الذين لا ينمو الشعر على اجسادهم أبداً ، وذات مرة سأله صديق أردني ، لماذا لا ينمو شعر على أجسادكم انتم الصينيين فرد عليه مازحا : لأننا اكثر تحضرا .

لكواي ابن يدعي خليل وهو اسم عربي اطلقه عليه صديق له أردني وهو مكتوب بجواز سفره بجوار اسمه الصيني ، وقد قررت ابنته أيضا أن تتزوج من شاب فلسطيني وقد فاجأه الأمر لأن المجتمع الصيني هو مجتمع محافظ ، لكنه أدرك ان أبنته صينية شكلا فقط ، لكنها صارت هي وأخوها يحملان نفسية عربية ، وطريقة تفكير عربية ، ووافق أخيراً على الزواج معتقداً أن هذا ربما يكون في صالحهم أكثر ، وهو يقول أن أبنته تتكلم العربية أفضل من زوجها الفلسطيني الذي درس في مدرسة داخلية في انجلترا .

هو فخور بأنه نشر جزء من الثقافة الصينية في المجتمع العربي ، وهو لا يشعر أبداً بالحنين الى بلاده ، هو نسي ملامحه ، فجميع من حوله أردنيون ، وهو يتذكر فقط أنه صيني حينما ينظر الى وجهه في المرآة ، وهو ممتن لهذه البلاد لأنها تبنته ، وهو يستمتع بالحياة فيها .



ذكريات سجن تدمر والاعمال الأدبية

غسان جباعي / كاتب ومخرج مسرحي ، حينما دخل السجن كان عمره 31 سنة عام 1988 ، وخرج بعد عشر سنوات كاملة في عام 1998 ، قضى منها أربع سنوات ونصف في سجن تدمر ، اما فرج بيرقدار / شاعر فقد قضى في السجن أربعة عشر عاما ، حين اعتقاله كان عمره 36 سنة وخرج وهو في الخمسين من العمر ، و ياسين الحاج صالح / كاتب فقد قضى ستة عشر سنة كاملة في السجون ، منها سنة بسجن تدمر ، حين بدأ اعتقاله كان في التاسعة عشرة من عمره . حينما ذهب ثلاثتهم إلى مكان سجنهم القديم : سجن تدمر بصحبة فريق البرنامج قال غسان الجباعي ممازحا : لسنا معتادين ان نذهب إلى تدمر بلا كلبشات . ياسين الحاج صالح لم يكن مغمى العينين (مطمش) ، حينما كان في طريقه إلى تدمر أول مرة ، كانت الساعة الخامسة ونصف صباحا وكانت الأسئلة تراودهم ، والأمل مازال يلعب دوره ، هل سيذهبون لسجن صيدنايا ، ولا على الفرع ولا على تدمر ، لم يدركوا أنهم ذاهبون إلى تدمر إلا بعدما طلع الباص على أبو الشامات ، وجوه زملائه صارت شاحبة بعدما أدركوا أنهم ذاهبون لتدمر ، كانوا كمن وقع في بئر عميق ، انتهى الأمل ولم يبدأ بعد الرعب ، لن يبدأ الرعب إلا حين يصلون ويستلمهم السجانون .

اما فرج البيرقدار فكان الأمل يراوده أنه بعد سنين التحقيق والعذاب في الفرع أن يذهبوا لسجن المزة (مليح المزة) ، ثم جاءت التسريبات بأنه " من الممكن ان يعاقبوكم وياخذوك على تدمر " . في الطريق كان مغمي وكان يحاول تحديد الاتجاهات كالأعمى ، لما لف الميكروباص باتجاه الشرق أدركوا أنهم في الطريق إلى تدمر . تجرأ غسان جباعي ذات مرة وسأل ضابطاً كبيراً كان قد جاء الى السجن كي يرى طلبات المسجونين ، ماذا ينقصهم ؟ ، سأله جباعي : "لماذا نحن موجودين هنا في سجن تدمر ونحن لم نرفع سلاح ؟؟ يعني لسنا ارهابيين ، اي جرم ارتكبناه ؟ فرد : طبعا انت مجرم سياسي .

يفسر ياسين الحاج صالح لماذا كانوا يأخذون السجناء وتحديدا اليساريين إلى سجن تدمر ، بعد التحقيق مباشرة ، هو يرى ان هذا نوع من كسر العين والبهدلة ، هم اخذوا معه 30 شخصاً إلى سجن تدمر "منهم ناس" وافقوا على ان يتوقفوا عن السياسة ، وناس وافقت على العمل مع الأمن وكتابة تقارير لهم ، ناس وافقت على المساومة ، وقيل لها ستعود لبيتك غدا فاذا هذا الغد يأتي بعد خمس سنوات .

غسان جباعي يتذكر الاربعين سنتيمتر التي كان مسموحا بها للسجين ، هذه الاجساد المتلاصقة ، كيف استطاعت التغليب على ذواتها وعلى ظرف المكان ، ويحكي ياسين وفرج البيرقدار عن اهمية الزيارات ،" حينما يزورك اهلك ويعطونك نقودا وأكل ، الحالة المقابلة ان تكون السجين المنسي ، هذا النسيان المعنوي فظيع" . "اعمل لسجنك كأنك مسجون أبدا ، واعمل لحريتك كأنك خارج غدا " كان هذا هو شعار ياسين الحاج صالح الذي يعتبر ان انتظار لحظة الافراج هو شكل من اشكال الهزيمة ، خاصة وان لحظة الافراج حلوة بالطبع لكن هذا للذي سيسجن سنة ، اما للذي سيمكث في السجن خمسة عشر عاما فعليه ان يتصالح مع سجنه . ربما لهذا يعتقد غسان جباعي أن الإنسان الاناني لا يمكن ان يعيش بالسجن ، لأنه توجد حياة جماعية بالسجن ، هذه الحياة الجماعية تخلق جواً جميلا بالسجن وتحوله احياناً إلى مركز ثقافي .

ويؤكد فرج البيرقدار أنه احياناً يكون ممض ان تقضي 24 ساعة تحت أعين رفاقك الذين يضحون من أجلك وتضحي من أجلهم " لكن كالفئران تماما ، حينما توضع في حيز صغير تتغير طباعها وقد تتشاجر من اجل نصف بيضة" . لذلك يلاحظ أيضا ياسين الحاج صالح أن اخلاق السجناء كانت تتحسن يوم الزيارة نظراً لوفرة في الاكل مما يرفع مستوى التعفف لدى الجميع .

كيف تحول الزنزانة بيتا والسجن وطنا ؟ هذا ما حاوله الجميع ، ففرج البيرقدار كان يستخدم الشعر كي يحفظ توازنه ، وكان أحد مقومات المقاومة لديه ، اما غسان جباعي فيحكي عن الاقلام التي كانوا ينحتونها من العظم ويكتبون بها على ورق السجائر ، حتى انهم عملوا جريدة صباحية فيها افتتاحية وشعر وقصة ونكت وكل شئ بهذه الطريقة .

بعد 15 سنة قضاها في السجن وشعر أنه استطاع أن يحل بالنسبة له مشكلة السجن كان ياسين الحاج صالح يفكر في أن الخروج الآن هو المشكلة ، أنت الآن يجب ان تستأنف الحياة : تعمل ، تحب ، تعيش ، تعشق ،ماذا ستفعل بالخارج ؟ .