Español  English  Français  
أدب السجون
محمد مشبال : احلام الظلمة

* لا تزال الكوابيس تطارده ، حتى بعد إنقضاء تجربة السجن . في الزنزانة كانت الأحلام كثيرا ما تزوره و كان يرى أنه حر طليق ، ثم يوقظه صوت من داخل الحلم وهو يقول له "لا تحلم ، أنت ما زلت في السجن" . بعد خروجه من السجن تحولت الكوابيس إلى مشاهد المطاردة والتحقيق والتعذيب ورؤية نفسه مسجونا بينما خرج الآخرون ، و لا يعرف لماذا؟

* كان عمره لا يتجاوز الثمانية عشر عاما حينما حوكم محمد الامين مشبال بتهمة الإنتماء إلى منظمة سرية تهدف إلى القضاء على النظام الملكي القائم وإقامة جمهورية شعبية ماركسية لينينية في المغرب . كان هذا في العام 1976 حيث صدر بحقه حكما بالسجن لمدة عشرين عاما بالإضافة إلى سنتين أخريين بتهمة اهانة المحكمة . كانت الأحكام أكبر من كل عمره الذي عاشه هكذا وصفت أمه وقع الخبر في نفسها وهي تشعر كم هي عاجزة ، كانت تراه في المحكمة فيشيح عنها بوجهه ويبكي ، يحكي محمد مشبال لحظة إلقاء القبض علي ه، التي هي في الحقيقة واقعة اختطاف ، إذ ظل بعدها ستة أشهر دون ان يعرف أهله عنه شيئا ولا يدركون أحي هو أم ميت وقبل أن يخضع للمحاكمة .

* كانت البداية في أحد شوارع فاس كان يسير غارقا في أفكاره حول المستقبل فإذا به يسمع خطى لرجلين يتعقبانه يسألانه عن اسم الشارع ، ثم وحسب روايته هو " " حاولت أن أتابع سيري فإذا بأحدهما يمد يده بسرعة نحوي تراجعت خطوة وقاومت قليلا لكن الرجل الآخر كان قد وضع الأصفاد في معصمي وأحسست أنها بداية النهاية وأن الشمس المشعة توشك أن تغرب إلى الأبد وأن تهجر عيناي الحالمتين" .

* ولج المشبال عالم السياسة من بوابة العمل الطلابي متأثرا بأخيه الأكبر عبد المؤمن كان وقتها في السابعة عشر .. داهمته هذه الذكريات وهو أمام المحقق الذي لمح اسمه على لافتة صغيرة على المكتب "تاشفين".. إنه هو الرجل الذي ظل يسأله الاسئلة المعتادة وحينما كانت تأتي إجاباته بالنفي كان يقول له هادرا "سأجعلك تتكلم كما يتكلم الآخرون" . إنه التعذيب الذي جعل السجين يدرك أن للزمن مفهوما آخر فثانية واحدة تحت التعذيب لها مقدار سنة ضوئية في عقل المعذّب .. إنه التعذيب الجسدي بالغ القسوة يقترن بالتعذيب النفسي الذي يجعل الحلم بمغادرة السجن والحرية شيئا فشيئا شبه مستحيل ، إنه شئ يتجاوز التفاصيل التي سردها في كتاباته حول الفلقة والطائرة والشيفون : أدوات التعذيب التي أستخدمت معه . قال له المحقق أين تسكن وحينما أجاب :"عند خالتي" اقتادوه إلى هناك ، فتشوا كل شبر في غرفته حسب ما حكت الأم في الحلقة ، كان يتصبب عرقا وكان عطشانا ، وحينما طلب من إبنة خاله كوبا من الماء لم يسمحوا له وأزاحت يد رجل الشرطة الكأس . كان قد شرب جرعة واحدة ، فقال له "يكفي هذا".

* في معتقل درامولي شريف صار لمحمد المشبال رقما هو (25 ).. إكتسبه وهو يخلع ملابسه ويستبدل بها ملابس السجن الكاكية اللون ويصطف مع بقية السجناء ، الأرقام ، ووجوههم إلى الحائط والسياط تنهال على ظهورهم ، بعدها ألقى به في الزنزانة مصحوبا بتعليمات مشددة بالإمتناع عن الكلام . ظل يتذكر مدينته تطوان وأمه وأبيه وكل العائلة التي ما فكرت يوما أنه سيفارقها كل هذا الوقت.

* في أبريل 1977 تسلم رسالة من أخته هدى ، أخبرته فيها بموت عبد الحليم حافظ ، شعر بالصدمة لكنه تمتم في نفسه : "كل ما هو جميل يسير نحو النهاية" . في العام نفسه صدم صدمته الثانية : زيارة الرئيس السادات إلى القدس ، شعر بالمرارة وهو يتساءل عن الثمن. ومضت ايام السجن يقتل السجين فيها الملل بقراءة الروايات إذ كانت إدارة السجن تحظر قراءة الكتب السياسية وخاصة الماركسية منها .

* آخر مشاهد السجن في ذاكرة محمد مشبال كانت في سجن الشون ،وكانت الشون المدينة تذكره كثيرا بتطوان مسقط رأسه : مدينة ريفية جميلة بجبالها وثلوجها ، كان يلمح قممها العالية وهو يطل من الطابق العلوي للسجن حتى سجن الشون نفسه كان يتبدى له وكأنه بيتا ريفياً صغيراً ونظيفاً وبارداً . كان قد الف الشون التي ذكرته بمدينته تطوان إلا أن القرار بعودته إلى سجن القميطرة . دخل زنزانته ، ظل بها راقدا يتأمل سقفها الأبيض ، وجد نفسه يبكي وتذكر حظه العاثر حيث فاته قرار العفو سنة 1980 وها هو يفوته قرار العفو مرة أخرى . قطع الصمت صوت مدير السجن يخبرهم هو وزملائه بقرار العفو عنهم ،حاول أن يقول شيئا لكنه صمت ، لطالما إنتظر هذا اليوم بشوق . قال لنفسه : ماذا تنتظر؟! امرح عانق الرفاق ، لكنه وجد نفسه حزينا ، وها هو يخرج من باب السجن تبتعد به السيارة شيئا فشئا فيصغر السجن الذي كان كبيرا ويبدأ هو رحلة ملاحقة الزمن الهارب .

تاريخ عرض الحلقة : 17 /مايو / 2006 – " الجزيرة " الإخبارية.



2 - معتقل انصار

إسرائيل لم تحتل جنوب لبنان، لم تهزمنا كانت الهزيمة متغلغلة في شراييننا قبل وقوعها بزمن بعيد، كانت تجلس في فراشنا كأية عاهرة معاصرة، كانت تنسل في ثيابنا كرزمة البارود لتقوم بفعل تفجيرنا من الداخل.
بهذاالنص افتتح لامع الحر ، المعتقل السابق والشاعر ، حديثه . يرى لامع حر ان الأهم من الهزيمة العسكرية هو الهزيمة النفسية " نحن كنا مهزومين نفسيا قبل اجتياح بيروت سنة 1982 ، و من بعد 1982 والامريكان والإمبريالية والقوى المعادية لا تعمل فقط على هزيمتنا عسكريا لكن أيضا هزيمتنا سياسيا وانتزاع الحلم منا ".
تحكي خديجة ، وهي احدى المعتقلات ، عن اليوم الذي دخل فيه الاحتلال الجنوب وكانت تسكن في بيت على الطريق في قرية صغيرة ورائقة وهادئة ، شعرت شعورا لم تنسه ابدا تصورت ان لها بنتا يتم اغتصابها امامها ، دخلت البيت وصارت تنتف شعرها ، في هذه اللحظة بدأت تفكر في المقاومة .
جان شمعون مخرج فيلم "زهرة القندل" يقول انه اأهتم بالناس في الجنوب ، النساء في القرى اللواتي قاومن بوسائل سلمية : حجارة وزيت مغلي وعصى ومن هنا جاء اهتمامه بخديجة التي اعتقل زوجها بمعتقل انصار لأنها تمثل هؤلاء النسوة.
حسين قصير ،رسام ، اعتقل لمدة 9 اشهر و7 ايام ، يرى ان الاسرائيلين " لم يكونوا بحاجة لاسباب لاعتقالهم اي شاب من الجنوب فأي شاب عنده القدرة على الحياة لازم يعتقل " . لامع حر يحكي عن مجموعات كبيرة من الناس تقف امام المقنعين عملاء الاحتلال ، هؤلاء المقنعون لا يعرفون كل الناس ، ويمكن ان تشتبه عليهم الامور ولا يريدون ان يظهروا وكأنما فقدوا مهاراتهم امام الإسرائيليين فكانوا يشيرون لاشخاص ليس لهم علاقة على الاطلاق بعمل وطني او مقاومة وكان الاسرائيلي يلتزم بأية اشارة من اي مقنع . "سقطت صور ، سقطت النبطية ، سقط الجنوب كاملا في قبضة الاسرائيليين ولم تبق سوى صيدا والعرب واقفون يتفرجون لا يبالون وغير مهتمين ، كان الموقف العربي متخاذلا لأقصى الحدود في حين كانت إسرائيل تهتم حتى بجثث قتلاها ، وكانوا حريصين على كل تفصيلة تخدم ما يعتبرونه قضية وطنية ، ولم يقدم العرب اي دعم من اي نوع لأهل الجنوب المعتقلين في معتقل انصار". لامع حر حكى التجربة في كتابه "مهاجر الى انصار" : اعتقل هو من بيته ، كان العديد من أصدقائه قد اعتقلوا لذا كان عليه ان يغادر الى صيدا ، لا يعلم لماذا لم يغادر رغم يقينه أن الانسان وتحت وطأة التعذيب لابد وأن يدلي باعترافات ما .
عندما احتلت اسرائيل الجنوب اللبناني لم يكن لديها معتقلات به فكانت تضطر لأخذ المعتقلين الى معتقلاتها في فلسطين أو الى معتقل الراهبات ، والذي كان انجح مدرسة تعليم بصيدا وهي مدرسة الراهبات ، ومعتقل الصفا الذي كان معملا للحمضيات ، في الراهبات قتل حوالي خمسة عشر معتقلا من التعذيب وفي الصفا قتل حوالي عشرين وهي اعداد تنكرها اسرائيل ، التي لم تسلم الجثث إلى ذويهم بل إلى مسؤول جمعية دفن الموتى والذي كان عليه ان يقوم بمهمته في الحال .
حسين قصير ، مستكملا ، يحكي كيف تم نقل المعتقلين من معتقل الصفا بعد اسبوع الى معتقلات داخل فلسطين بمنطقة العفولة وتحديدا مرج بن عامر ، كانت الرحلة الى الاراضي الفلسطينية شاقة إذ عصب الجنود أعين المعتقلين وكبلوا ايديهم ، وقف الباص في الطريق كثيرا ومع كل وقفة كان الجنود يزدادون عنفا مع المعتقلين يسبونهم ويبصقون عليهم ويسلبونهم ما بحوزتهم من مسابح وخواتم وقداحات ." كيف يواجه المرء هذه الشدة والجميع عُزَّل؟ كيف يموتوا ولا مراسم ولا وجوه للمعزيين ولا احتفالات جنائزية ولا حتى سورة الفاتحة؟" .
لم تقصد اسرائيل من تحقيقاتها الحصول على معلومات قدر اذلال المعتقلين ، كانت تبحث لكل سجين عن نقطة ضعف ، وكان السجناء يعرفون ويستعدون مثلما حدث مع خديجة حينما قالوا لها سنغتصبك فقالت لهم :"افعلوا ما تريدون فالله موجود" .
كان لامع حر يكتب داخل المعتقل وكان الصليب الأحمر يوزع على المعتقلين بعض أوراق و أقلام بواقع 3 أوراق لكل سجين فكان يشتري الأوراق من بقية السجناء بالسجاير التي كانت توزع عليهم ولا يدخنها . حسين قصير يحكي عن ثقافة "أنصار" ضروري أولاً أن تفهم العدو ، ثانيا أن تشعر بأهمية أن يكون لك وطن ". قبل دخول معتقل أنصار لم يكن يشعر بشعور وطني وهذه حقيقة ، في انصار شعر بالحاجة الى هذا الوطن .

تاريخ العرض : 17أغسطس / آب عام 2005 – "الجزيرة" الإخبارية



3- احمد رائف : التحقيق مع أبرياء

كان احمد رائف في زيارة إلى الأردن سنة 1974 ، وقابل الاستاذ حسن التل ، رئيس تحرير جريدة اللواء الاردنية ،الذي سأله عما حدث في المعتقل ، وعندما حكى له طلب منه ان يكتب تجربته في المعتقل . بقى رائف في مقر الجريدة اكثر من شهر وكتب كتابه "خلف البوابة السوداء" الذي لم يقصد منه ان يكون رواية او كتابا ، هي مذكرات لما جرى في المعتقل في الفترة من 1965 وحتى 1972 . بهذا الشكل وبعفوية شديدة بلا تركيز في ان يخرج في قالب معين ، جاءت الرواية فيها عنصر التشويق والدراما لكن الأهم ان بها معلومات واسماء حقيقية لأشخاص مازالوا احياء يشهدون . لايرى احمد رائف سببا جديا لاعتقاله ، لكن ظروف مصر سنة 1965 أدت الى اعتقال اعضاء جماعة الاخوان المسلمين . تبدأ القصة في مطعم التابعي الدمياطي ، وسط القاهرة ، كان رائف يتغدى بهذا المطعم ذات يوم سنة 1965 مع صديق ، سأله الصديق عن راتبه قال له 17 جنيهاً ونصف فعرض عليه صاحبه وظيفة براتب 35 جنيهاً ، كان لابد ان يستقيل من عمله الحكومي ويحصل على اخلاء طرف وهو ما قام به ليتم اعتقاله وهو بلا عمل حيث لم يكن قد تم تعيينه في الشركة الجديدة .
كان يسكن مع ابن خالته في 4 شارع المسعودي بمنشية البكرى ، حيث جاءت قوات الأمن لتعتقله في الثالثة صباحا ، فتشوا الغرفة واخذوا ما وجدوه من كتب وابحاث . في معتقل القلعة طلبوا منه ان يخلع الحزام والساعة والنظارة وكل الاشياء المعدنية وادخلوه زنزانة كان كل من فيها في حالة اعياء شديدة ، وجوههم لا تكاد تبين من آثار التعذيب وتبدو الجروح على الايدي والاكتاف ، احد المخبرين نادى احمد رائف وصفعه على وجهه فبادره احمد رائف قائلا "لماذا تضربني نحن في بلد بها مجلس امة وقانون ودستور " تجمع المخبرون حوله وكادوا يفتكون به ، الا ان الضابط استدعاه الى التحقيق وسأله عن التنظيم والسلاح والتدريب ولما انكر قال له "ارحم نفسك هتدخل مرحلة انت مش قدها" وقد كان .
دخل احمد رائف "المحمصة " وأخذ "الطريحة " وهي علقة بالهراوات اخذ فيها ما يقرب من 200 هراوة على ظهره ، ثم تم تعليقه ثلاثة ايام بلا نوم ثم اخذ الى اللواء فؤاد علام للتحقيق فقال له علام :"انا عاوز اريحك ، القصة كلها تنظيم سري وسلاح وتدريب ، انت عاوز ترحم نفسك اتكلم في الحدود دي " واملى عليه علام بالفعل 9 صفحات من الاعترافات بأشياء حول نية اغتيال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وعمل انقلاب بمصر كتبها حتى ينتهي مشهد التعذيب المستمر والذي اسماه مذبحة القلعة ، تلك المذبحة التي اسفرت عن ثلاثة قتلى وربما اكثر وحوالي 400 جريح بجروح بالغة في السجن الحربي كانت حفلة استقبال جديدة وتعذيبا اشد :ضرب بالكرابيج ، ضرب على الرأس ، خلع الأظافر ، وسائل كانت تؤدي لقتل المعتقلين ، ومن يقتل يسجل في الدفاتر بإعتباره من الهاربين . اصطحبنا الاستاذ احمد رائف لزيارة الاستاذ احمد عادل كمال الذي تم تعذيبه بطريقة مريعة واستخدمت حالته لاخافة المعتقلين لدفعهم للاعتراف ، يحكي قصة طريفة حيث قابله رجل ذات يوم وقال له انه كان السبب في الحكم عليه بثلاث سنوات سجنا ، قال له كيف وانا لا اعرفك ، حكى له الرجل انه بعد اعتقاله ادخلوه لزنزانة احمد عادل كمال وقالوا له "هتعترف ولا تبقى زي ده " فقال لا اعترف احسن باللي انتوا عاوزينه "
في تحقيقات النيابة قال رائف لوكيل النيابة ان هذه الاعترافات انتزعت منه تحت التعذيب لكن وكيل النيابة قال له انه لو ذكر انه قد قام بالاعتراف تحت التعذيب فسيعاد الى التحقيق مرة أخرى ويعذب مرة اخرى ويعترف مرة أخرى .
وفي المحاكمة العسكرية امام القاضي علي جمال الدين محمود ، خلع احد المتهمين ملابسه وكشف للقاضي عن آثار التعذيب فتأثر القاضي واعطى اوامر بمنع التعذيب تماما في السجن الحربي، وهي تعليمات لا تبارح سلطتها مقعد القاضي . تم تأجيل القضية الىموعد آخر ومات بعدها وقيلت شائعات عديدة حول موته ، لم يشعر احمد رائف ابدا انه سيخرج من المعتقل الا يوم وفاة جمال عبد الناصر

تارخ عرض الحلقة : 27 يوليو / تموز عام 2005



4- الأسر في الواقع والدراما

الفرق بين الزنزانات -القبور ، التي نمكث فيها ، والقبور التي تضم رفات الشهداء في مقبرة قريتنا ، أن قبورنا - الزنازين يغطيها سقفان من الأسمنت السميك باب حديدي ليس فيه إلا فتحة عرضها سنتيمتراً واحداً وطولها 20 سنتيمتراً ، قبور الشهداء تتنفس من جذور الزيتون التي تظللنا ورغم ذلك نحن أقوياء
كان هذا من مفتتح الكلام في اول حلقات ادب السجون، وهو مقتطف من رسالة ارسلها محمد كوراني لابنه علي في احد ايام يوليو /تموز /عام 1985 ، وكوراني ينتمي لقضاء بنت جبيل بالجنوب واسر في معتقل الخيام في فبراير/ شباط العام المذكور . مرتضى االأمين هو الآخر ينتمي الى قضاء بنت جبيل وهو طبيب كان حديث التخرج حين أسر عام 1986 . جوانا حج توما هي مخرجة فيلم "معتقل الخيام" ، الموضوع الرئيسي للحلقة . قامت بعمل فيلم عن معتقل الخيام في ظل عدم السماح لها بالتصوير داخل السجن "كيف يمكن ان تتمثل معتقلا ليس لديك صورة عنه؟" . تلك كانت المعضلة ، لكن البحث قاد الى اكتشاف قصص كثيرة للمعتقلين ،وتجارب كان لابد لها ان تحكي .
اعتقل ديجول بطرس ابو طاس لاول مرة عام 1976 . كان عمره وقتها 16 عاما . وبعد 4 سنوات عاود نشاطه المقاوم وانتمى الى حركة المقاومة الاسلامية (حزب الله) واعتقل مرة اخرى عام 1999 وظل بمعتقل الخيام حتى يوم تحرير المعتقل .
في غرف صغيرة لا تتجاوز المترين ، بدون طعام ، منهك جائع ، والورقة والقلم من اشد الممنوعات . ذات مرة وجد السجانون قلما لا يتجاوز طوله 2 او 3 " سم " فتم تعذيب السجين الذي وجدوا بحوزته القلم خمسة ايام كاملة لكي يعترف من أين جاء بالورقة والقلم. في زنزانة كهذه كانت تنفع الحيل احيانا في المساعدة على كتابة خاطرة او بيت شعر . احد ضيوف الحلقة يحكي ان كتابا كان بحوزته في زنزانته الانفرادية ، كان كتاب رسومات ، فقصه واستخدمه للكتابة . سجين آخر يحكي عن تجربة الكتابة باستخدام قطعة قماش سوداء يكتب عليها بصابون أبيض ، أو تتم الكتابة على مناديل ورقية او على قطع من ورق الكرتون الذي بحوزة السجناء . اشياء كهذه حفظت اشعارا وخواطر وافكارا ولدت داخل سجن الخيام
كيف تمضي الوقت ؟. هذا هو السؤال الأصعب داخل السجن . أنت معتقل لا تعرف مدة اعتقالك ، وتتمنى ان تكون سنة او سنتين ، لكن ما يحدث هو انك موجود بالمعتقل ، وستخرج وقتما يريد سجانوك . يحتال السجناء على هذا بالحكي ، بالشجار ، وبالنوم .
لكن للسجن مزايا ، في نظر البعض . انه يجعل النفس صافية كمرآة ويدرك السجين انه مستعد لأن يرى الحقائق أكثر وضوحا . خارج السجن تشغلك تراكمات الحياة المعيشية وتشابكات العلاقات والاطفال والزوجة ، كلها أشياء تقلل من وضوح الرؤية . داخل السجن تكون في مواجهة نفسك تتأمل ، تفكر كثيرا ، تشتاق ، تشعر بالحنين ، تتدفق المعاني صافية داخلك .

للتعذيب قصص اخرى ، تجارب قصد بها المعذبون كسر ارادة السجين ودفعه إلى الإعتراف حتى بأشياء لم يرتكبها ، ليس كسر ارادته فقط ولكن تكسير انسانيته ايضا ،الجلد والضرب بالسياط ، التعليق على عامود ، البقاء طوال ليال في زنزانة معتمة تغطى ارضيتها الماء فلا يستطيع السجين ان يجلس بها ويظل واقفا طول الوقت ، سكب ماء بارد وماء ساخن على جسد السجين في الوقت نفسه ، الكهربة ، بالاضافة الى التعذيب النفسي باذاعة اصوات التعذيب الذي يحدث للآخرين ، يؤكد بعض من تحدثوا في الحلقة ان كثيرين اعترفوا على انفسهم بأشياء لم تحدث و عمليات لم تنفذ بفعل وسائل التعذيب هذه . أشياء صغيرة كانت تخفف عن المعتقلين ، بسجن الخيام ، قسوة التجربة : الاشغال اليدوية حيث كانوا يجمعون الأشياء الصغيرة من الأرض كالحصى واالزيتون ويصنعون منها مسابح . الكتابة ايضاً ، لو على ورقة لف السجائر وبقلم طوله 2 سم ، كانت تخفف من قسوة التجربة . يضاف الى ذلك أن نمط الحياة في المعتقل ،وهو نمط من النادر ان تجده في المجتمعات الاخرى ،هو نمط قائم على التعاضد والتعاطف لأن المعتقلين كلهم ابناء قضية واحدة .
عرض فيلم "معتقل الخيام" في حوالي 70 مهرجانا حول العالم ، وكان يطلبه الكثيرون ليشاهدوه ، وكان يؤثر فيمن يشاهده ، ومن هنا شعر سجناء معتقل الخيام أنهم انتصروا مع الفيلم الذي كان بالنسبة لهم فيلما مهما .

تاريخ عرض الحلقة : 22 يونيو/حزيران عام 2005

طريق النسر

الحادثة التي وقعت في سنة 1946 ، هي التي دفعت ادوارد الخراط للبدء في كتابة رواية طريق النسر سنة 1964 . سنوات طويلة والحادثة تحتشد في داخله حتى تدفقت الكتابة ، الحادثة وقعت في احد أيام سنة 1946 حيث كانت مظاهرات العمال والطلبة ، الاسكندرية كانت خالية تماما من المارة ،بالقرب من محطة الرمل طلعت مظاهرة صغيرة من طلية كلية الحقوق ، التحمت بها مظاهرة كبيرة كانت قادمة من شارع التتويج ، مرت المظاهرة بجوار سيارة جيب تقل عساكر انجليز ، وبينما كان مندمجا في المظاهرة ، شعر ادوارد الخراط بالرصاصة تمر بجوار أذنه تماما ، سمع صوتها وشعر بسخونتها ، الرصاصة قتلت طالبا ، "فقام جدع من جدعان الاسكندرية ، خلع جلابيته وأشعل بها نار والقى بها على كشك العساكر ". طريق النسر كما يصفها الخراط هي طريق كل هذه القيم : الغضب ضد الظلم ، الثورة ضد الاستغلال ، قيم البحث عن العدالة والكرامة ، نحن الآن نمر بأزمة فهل انقطع طريق النسر ؟ ، هل ذهبت بلا رجعة أشواق العدل والحرية ؟ هل كانت الخيانات والخذلان والنقوص كلها موجعة ؟لا هو يعتقد أن كل هذه القيم وكل هذه الأشواق مازالت هنا (ويشير إلى صدره) .
جامعة الاسكندرية كان اسمها وقتها جامعة فاروق الأول وكان الطلبة بها يشاركون بالمظاهرات وتوزيع المنشورات . ادوارد الخراط كان يكتب مذكرات ويطبعها ويلصقها على محطة الترام في محرم بيك وشوارع الاسكندرية ، وكان يوزع مجلة اسمها "الكفاح الثوري" . في ذلك العام ، 1946 ، كانت الحوادث الكبرى ، حادثة كوبري عباس ، حكومة اسماعيل صدقي حاصرت الجامعة بدبابات الجيش ، حوصر الطلبة الذين كانوا يعتصمون بداخلها . يتذكر الخراط انه حينما جاء المساء على الطلبة المعتصمين والمحاصرين ، كان الأهالي يلقون إليهم بالسندوتشات من البلكونات.
كان الموقف الماركسي السائد آنذاك ، حسبما يحكي الكاتب ، هو تأييد قيام دولة اسرائيل كانوا يعتبرون أن هذا يعني إيجاد قوة مناهضة للأنظمة الاستبدادية القائمة آنذاك ، واعادة حقوق اليهود المشردين إلى آخر الأفكار التي عرفت عن الماركسيين تقليديا وكان هذا الموقف هو موقف الاتحاد السوفيتي ، كانت هناك رؤية أخرى ، وإن اعتبر موقفها موقف الأقلية إلا أنها كانت ضد قيام دولة اسرائيل ، فمشكلة فلسطين لن تحل إلا بتوحد القوى الشعبية في فلسطين نفسها ، أما المسألة اليهودية فلا تحل بغير اندماج اليهود كغيرهم من القوميات والديانات في أوطانهم وبلادهم ، لم يكونوا عنصريين ضد اليهود ،على العكس كان اليهود في هذا الوقت يعيشون في مصر كمواطنين صالحين ، بعضهم يلبس الجلابية ولا يتحدث إلا العامية المصرية . يوم 15 مايو / آيار كانت المظاهرة ضد قيام دولة اسرائيل . وبينما كان الخراط يشرح لأحد العمال المشاركين في المظاهرة هذه الأفكار ، وكان يعرف جيدا أنه من المحتمل أن يعتقل أو يقبض عليه ، اعلنت الأحكام العرفية ، كانت البلد تمر بأزمة سياسية واقتصادية وروحية ، كانت ثكنات عسكرية بريطانية يرفرف عليها العلم البريطاني و تقع في المكان نفسه الذي يقع فيه حاليا المسرح اليوناني ، وكانت المنطقة اسمها كوم الدكة وهي غير كوم الدكة التي ولد بها سيد درويش ، كان الغضب يثور في قلوب المصريين وهم يرون علم بريطانيا يرفرف فوق أعلى نقطة في الاسكندرية ، كل هذه المقدمات هي التي أدت إلى اشتراك الخراط في الحركة الوطنية الثورية ضد الاحتلال وضد السرايا وضد الباشوات والتي أدت الى اعتقاله سنة 1948 ومن هنا بدأ طريق النسر .
توقعات الخراط بأن يتم القبض عليه تحققت بالفعل في الثانية فجرا ، قال هو لأمه أنه سيعود بعد خمس دقائق وذهب رافقه في المعتقل أثنان من عمال فابريكة كرموز كتب عنهما في الرواية أحدهما يتذكر اسمه : صابر والثاني لاي يتذكره ولكنهما كانا رغم الثقافة المحدودة للعمال في غاية الاستنارة العقلية والاخلاص الوطني ، اخلاص وطني ثوري لا نهاية له .
في هذا اليوم قبضت الدولة على الكثيرين ، بعدما اعلنت الأحكام العرفية لكي تدخل الحرب في فلسطين بهدف القضاء على العصابات الصهيونية ، لكن كان أغلب من قبض عليهم من الاسكندرانية ، مع قليل من اليوغسلاف الهاربين من تيتو أو اليوغسلاف الهاربين من الشيوعية وكل هؤلاء قبض عليهم بتهمة الشيوعية . مع ادوارد الخراط ذهبنا إلى ابي قير ، مقر سجنه القديم لم يكن على البحر لكن في الصحراء ، هنا بنت الدولة مساكن . وكانت توجد ثكنات الانجليز ، يتذكر ادوارد الخراط أنه وقتها كانت كلمة معتقل سياسي لها احترام كبير ، وكان يختلف كثيرا عن المسجون العام أو مسجون القانون العام . كان الخراط يعمل ، حين اعتقل ، موظفا بالبنك الأهلي ، ظل به سنة كاملة وهو يمازح زوجته في الحلقة قائلا :
"لو لم اعتقل لأصبحت الآن مدير فرع هذا البنك في طهطا على المعاش " . " أبو قير 17/5/1948 والدتي العزيزة بعد إهدائك أرق التحية والسلام لم يصلني شيء حتى الآن الساعة عشرة صباحا يوميا وأرجو أن تهتموا بالمسألة، كل ما أريده الآن هو شبشب والشورتات البيض أما السرير فليس ضروريا لأنه ستصلنا سراير من جهات أخرى، أنا مرتاح طبعا من ناحيتي فلا تقلقوا رياضة وشمس وهواء طلق ومعاملة حسنة جدا وأكل طيب!!!؟؟؟ ولا ينقصني غير الكتب فأرجو إرسال ما طلبته منها، إن لم يكن هناك طريقة أخرى فأرسلوا هذه الأشياء إلى نقطة بوليس أبو قير وستصلني إلى المعسكر بسلام" . ]مقتطف من رسالة الى والدته أثناء الاعتقال[ .

تاريخ العرض : 21 / سبتمبر / أيلول عام 2005



سعود قبيلات بين السجن والحرب

"السجن مثل الحرب" تفتتح الحلقة سميحة خريس وهي تحكي عن هذه الجملة التي قالها لها ذات يوم سعود قبيلات كانت تربطها بما شاع بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث اعتقد كثير من الأدباء والشعراء أن الحرب قد منعت أن يكون هناك مساحة للشعر والأدب ، السجن مثل الحرب ، هكذا يعتقد سعود ، سعود قبيلات هو قاص أردني ، يرى أن الكاتب الذي دخل السجن هو أولا مطلوب منه أن يدافع عن نفسه كإنسان وبعدها يكتب ويبدع ويعبر عما تبقى من هذا الانسان . بعد السجن داهمت سعود حالة تأمل ، يتأمل حياته ، الحياة حوله ، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، خياراته السياسية والأدبية بدأت معا ، في وقت واحد ، كان هناك واقع يتفاعل ، وكانت حرب 1967 لها تأثير كبيرعلى هذا الواقع ، حركة المقاومة العربية ، حرب الاستنزاف التي كانت جارية يوميا بين الجبهات العربية واسرائيل ، كل هذا كان له تأثيره ، بمعنى أنه ساعدته على تحديد موقفه ، مع من يقف وأين يقف ، يعرف من عدوه ومن صديقه .
العلاقة وثيقة بين الأدب والسياسة فمن يتعامل مع الأدب بجدية يجد نفسه داخلا إلى السياسة . هذه امور لا يفتعلها الكاتب ، فهو من البداية يجب أن يكون منخرطا بقضايا مجتمعه ، ففي هذه القرية ، قرية سعود ، توصل هو إلى أن الامبريالية هي العدو وأن الاتحاد السوفيتي هو الصديق ، وتوصل بداخله إلى ثورة على مجموعة من القيم والمفاهيم ، في قصصه دائما ما يوجد ثوار ، لكن الثوار في هذه القصص يختلفون ويتغيرون باستمرار ويتطورون وتختلف ظروفهم ، ومن قصة إلى قصة كان هناك جدلا بين الثابت والمتحول . الكتابة ساعدت سعود على تجاوز تجربة السجن ، وهو هنا لا يعتقد أن السجن والظروف السيئة هي التي تصنع كاتبا ، على العكس الكتابة هي التي تساعده على تجاوز السجن ، كما ساعدته دراسته لعلم النفس ، لقد سجن لأنه لديه اعتقاد بقضية معينة ، وهو مازال على قناعاته هذه ، وهذا ما أعطاه مقدرة على الصمود والتحمل ، وساعده على الاتزان ، كما ان هناك صلة ما بين تجربة السجن والكتابة ، فالكاتب الذي دخل السجن لديه أشياء كثيرة لتحكى ، لكن ليس كل من يدخلون السجن أو يخوضون الحرب يمكن أن يصبحوا أدباءا وكتابا .
السجن ليس لحظة عابرة في حياة الانسان ، لكنه حالة خاصة جدا مثله مثل الحرب وكما أن هيمنجواي يتحدث في كل رواياته عن الحرب لأنه شارك في عدة حروب فإن كل قصص سعود قبيلات يوجد السجن في خلفية النص ، ليس بالضرورة أن يوجد السجن بصورة مباشرة ، لكنه موجود ، يتذكر سعود مقولة لمحمد الماغوط ، وهو قد سجن قبله ، يقول فيها أنه يحمل سجنا على ظهره وانه يتصرف دائما كسجين سابق ، وربما يعامله الناس بهذه الصفة .
عندما يزور سعود مرة أخرى المكان الذي كان به سجنه ويتذكر مكان زنزانته ، يشعر بالألفة مع المكان ، وكل ما مر بهذا الشارع وجد نفسه يتطلع إلى مكان سجنه القديم . يقول سعود أن نكسة 1967 أثرت في جيله كله ، كان الناس يستمعون إلى الإذاعات التي تتحدث عن الانتصارات ثم يجدون أنفسهم في حالة هزيمة ، هذا ترك تأثيرات كبيرة على جيلهم كله ، لكن يبقى أن هناك فرقا بين هذا وبين ما حدث بعده . اعتقل سعود سنة 1979 ، قبل تخرجه بعام واحد ، كانوا قد تظاهروا بالجامعة ضد كامب ديفيد ، كانت مظاهرة كبيرة، بعد خروجه من السجن وجد أن كل شئ تغير ، وجد ناس آخرين غير الذين عرفهم ، لم يستطع أبدا أن يتكيف معهم ، كان يشعر بإحساس عميق أنه توجد كارثة ، أن كارثة قد حدثت وهو في السجن وأن الناس يتواطئون على إخفاء ما حدث ، يستشعر دائما أنه كلما نظر إلى وجه أحد يجفل وينكمش ويقول "لست أنا .. والله لست أنا " وكأنه يتبرأ من المسؤولية عن الكارثة التي وقعت .
يقابل سعود رفاق السجن ويدور الحديث عن الماضي المشترك ، تجربة السجن ،الغي السجن ، يقول لهم سعود أنه حينما ذهب ليزور مكان السجن وشعر انه اصغر مما كان ، كان السجن أكبر ، كان عالما ، كان السجن به الف وخمسمائة سجين وكأنه قرية .
كان سعود قبيلات يكتب المخطوطات شعراً وقصصا ورواية ثم إذا ما شعر بأنه تغير قام بحرقها . في عام 1976 فعل هذا جمع مجموعة مخطوطات وصب عليها الجاز وحرقها وكان مسرورا أنه تخلص من هذه الأشياء ، لكنه بعد ذلك لما كبر وتعمقت تجربته ندم على هذا وفهم أن كل كتابة تعبر عن مرحلة معينة من مراحل الانسان ، ولابد أن يحتفظ بها .
احد رفاق سعود في السجن يحكي كيف كان سعود يتعامل مع الوقت بالسجن بشكل مختلف وكأنه كان يدفع الوقت كي يجري بسرعة . يحكي أيضا سعوده عن استيقاظه في السجن كل ليلة بحثا عن نافذة يستنشق الهواء منها ، فتح النافذة ونام ، واضطر إلى الاستيقاظ مرة أخرى لنفس الأسباب " فارتديت ملابسي وخرجت إلى الشارع ولكن يا للمفاجأة فالمدينة كلها من فوق ومن كل الجهات خيَّم عليه ستار كثيف والناس جميعا خرجوا إلى الشوارع يبحثون عن نافذة ما" .

تاريخ العرض : 19 / اكتوبر / تشرين عام 2005



ذكريات السجون السورية

دخل عبد الحكيم قطيفان (ممثل سوري ) السجن سنة 1983 ، كان في الخامسة والعشرين ، وخرج منه سنة 1991 ، وكان في الرابعة والثلاثين ، أما الكاتبة حسيبة عبد الرحمن فقد قضت في المعتقل سبع سنوات زارت خلالها كل دوائر التحقيق ، عرفت كل الزنازين ،تعرفها زنزانة زنزانة ، حتى وهي مغمضة العينين ، تعرفها أكثر من شوارع دمشق ، أما عدنان مقداد فقد اعتقل خمسة عشر عاما من عام 1980 ، وحتى عام 1995 ، منهم اربعة سنوات بالقلعة .. نقل بعدها إلى سجن الشيخ حسن وهناك كانت معاناته التي ظهرت بالكتابة ، كانت سمعة سجن الشيخ حسن سيئة للغاية كان أقرب إلى مقبرة ، له باب صغير كباب المقبرة ، وكأن المحبوسين به أموات ، كل شئ ممنوع ، الورقة والقلم ممنوع ، الكتاب ممنوع ، الجريدة ممنوعة ، كل شئ ممنوع ، ليس لك إلا ان تصطحب بطانيتك ولا تمتلك إلا ملابسك ، كان عدنان يشعل عود كبريت في الزنزانة كي يكتب على ورقة الدخان ، هو يعتبر نفسه قد تعلم الكتابة فعلا في الشيخ حسن رغم الكتابة ببرية قلم صغيرة على علب الدخان ، كان قد كتب ثلاث أو أربع مجموعات قصصية داخل القلعة لكنه حذفها كلها واعتبر الشيخ حسن هو بدايته بالكتابة ، وذات يوم سقطت ورقة من ورقاته ووجدها السجان أبو عيد المساعد الذي جن جنونه ، وفي دقيقة واحدة ينقلب حاله 180 درجة ويتحول إلى وحش حقيقي .
كان عبد الحكيم قطيفان يفيق من نومه كل يوم وهو بسجن الشيخ حسن ويتحسس جسده ، يطمئن على وجود شعره ، أنفه ، وفمه ، كانت تداهمه حالات من الخوف والرعب ، والاستيقاظ الليلي على اصوات صرخات السجناء أو تألم أحدهم بعد التحقيق ، مازال حتى الآن عبد الحكيم يعيش هذه الحالات . ابو عيد المساعد ، كان هو السجان وبينما يصفه مقداد بأنه وحش ، يؤكد القطيفان أنه لم يكن سوى مريض نفسيا ، أما حسيبة عبد الرحمن فتحكي عن جبنه ، كان يحاسب السجناء على أي شئ يفعلونه ، يريدون عمل مسرح ، يذهب ويبلغ الأمن أنهم يعملون مسرحا ، يريدون عمل مجلة حائط ، يصادرها ويرفع تقريرا للسجن ويمنعهم من الكتابة .
يتذكر عبد الحكيم مقبرة السجن التي كان يودع بها كل يوم ميتين وكان المشهد يهون عليهم مصيبة السجن " إذا كان هؤلاء قد ماتوا فاحمد الله أنك ما زلت حيا ". يتذكر عبد الحكيم كذلك أصوات آذان الفجر التي كانت تخرج من المآذن المحيطة بسجن الشيخ حسن والتي كانت شجية فيسهر كل ليلة حتى يسمعها .
لو كان معها ورقة وقلم لكانت حسيبة كتبت أشياء كثيرة جدا غرائبية ، في السجن تتراجع الايدلوجيا ، و تتقدم الحياة اليومية ، حياة يومية مساحتها مساحة جدران السجن ، كم مساحة السجن ، كم حجرة فيه ، كم مهجع ، كم سجين ، عالمك هنا واحلامك هنا فقط ، قد تتلخص احلامك في الأكل لأنك لا تملك أكل كافي .. أشياء غرائبية كانت تود ان تكتبها .
كان السجناء يتكومون في زنزانة صغيرة بسجن الشيخ حسن ، ثلاث أو أربعة امتار يتكوم فيها خمسون سجينا وتصبح حصة الرجل فيها 44 سم أو 33 سم ، كان السجناء أحيانا لا ينامون ، يقسمون النوم بينهم إلى نوبات ، بعضهم يبقى جالسا إلى أن ينام رفاقه ساعتين أو ثلاث . تفاصيل كثيرة مؤلمة يتذكرها عبد الحكيم في الزنزانة ، فأنت محبوس طوال 24 ساعة في فراغ مساحته مترين تقريبا ، اتفق هو ومجموعة من السجناء ان يحكون حكاية ، فكانوا يفتحون الأبواب الصغيرة ومساحتها ما بين عشرة و15 سم في اربعين سم ويخرجوا رؤوسهم منها ويبدأون في الحكي ، يحكون عن الأفلام الواقعية الإيطالية والفرنسية ، عن حنا مينا ، عن المسرح السوري ، أما عدنان مقداد فهو يعتبر أن علاقته بالورقة والقلم كانت مقدسة ، يضعهم تحت المخدة قبل أن ينام ، يستيقظ ، يكتب جملة ثم يواصل النوم وهكذا يشعر عدنان أن هذه العلاقة هي ما حمته وحمت نفسيته طوال فترة السجن .
لم يكونوا يحملون سلاحا ، بل أفكارهم ، المقداد يعتبر نفسه شاعرا وليس رجل سياسة ولكنه اعتقل ، اتهم بأنه من الاخوان المسلمين، كما اتهم بانه شيوعي ، حسيبة تعتقد ان هذا السجن كان تدميرا للنخبة السورية ، علام كان الذبح؟؟ يقول عبد الحكيم ، لمجرد أن فكرة بالرأس ؟؟. تحولت حسيبة في السجن إلى بعض القسوة ، لم تستطع أن تبكي حين ماتت أمها ولا حين مات ابوها ، لهذا كانت بحاجة إلى أن تكتب الرواية كي تفرغ هذه الذاكرة المثفلة ، اما عبد الحكيم فيرى ان للسجن وجهه الإيجابي ، كانت له أحلام وهو بالسجن ، كان يحلم بالتمثيل وبالحب ، والآن هو يعيش الواقع ويشعر ان حياته تخلو من هذا الشئ الشفاف والوجداني الذي كان بالسجن ، أما عدنان الذي يتذكر آخر زيارة قام بها أبوه له في السجن ، وأوصاه ألا يوقع لهم وأن يظل صامدا ولا يتنازل . بعد خروجه من السجن ، اصطحب امه وعمته لزيارة قبر أبيه الذي مات وهو في السجن ، وعند القبر ركضت عمته ركضا ودارت حول السجن وقالت لأبيه "هاي عدنان طلع يا محمد " وقتها فقط أدرك إلى أي مدى كان ابوه ينتظره وكان أهله جميعا ينتظرونه .

تاريخ العرض : 16 /نوفمبر / تشرين الثاني عام 2005

هاشم غرايبة : سجن تتكئ عليه الحياة

تقول امه : "ايش بدي احكي عن هاشم ، هاشم ممرمر قلبي " ، وتحكي : انجبته في شهر واحد ، كانت تستسهل الولادة ، وكانت تريد ترتيب الغنم قبل أن تنجبه ، انجبته وكانت صحته جيدة وبعدها مرضت هي ولم تعد قادرة على الانجاب ، ثم جاء يوم وأخذوه من جانبها ، طوقت الشرطة البيت ، أخذوه ووضعوه في السيارة و انهالوا عليه بالضرب .
يعمل هاشم غرايبة كطبيب أسنان ، هي مهنة تتطلب الكثير من الدقة والتركيز ، ولكنه أثناء العمل ، يكون وهو يبني السن يفكر في آخر قصة كتبها ، يفكر في الرواية التي يكتبها ، يعتقد أن العمل اليدوي الذي يمارسه كطبيب أسنان هو معادل موضوعي العمل الذهني .
يزور هاشم غرايبة اليوم مبني السجن الذي حبس به ، وقد تحول إلى متحف ، هو مبنى قديم يعود إلى سنة 1886 ، بني في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ، وكان له استخدامات متعددة أيام العثمانيين . لماذا كان الناس يسيرون بسرعة وهم بالسجن ؟؟ كانت هذه الملاحظة الأولى التي طرأت على ذهن هاشم حينما زار سجنه القديم ، هو اليوم يبرر الأمر برغبة هؤلاء في الاحساس بالحيوية ، رغم ضيق السجن ومتاعبه . كان السجن عبارة عن ثلاثة معاهجع رئيسية : الجنوبي والشمالي والشرقي ، في المهجع الجنوبي كان يعيش ما بين مائة وخمسين لمائتي سجين ، ينامون متراصين بعضهم بجوار بعض ، كان فيه اضاءة و لكنها كانت نسبيا ضعيفة ، كان أغلبية المسجونين في هذا المهجع الجنوبي من السياسيين ، بينما كان المهجع الشمالي مخصصا لقضايا المخدرات والقتل وما شابه .
دخل هاشم السجن وعمره اربعة وعشرين سنة وثلاثة شهور ، طلبوا منه شيئا واحدا كي يخرج : ان يكتب استنكارا للحزب الشيوعي الأردني ويعترف على من يعرفهم . المسألة بنظر هاشم لم يكن لها علاقة بالايدولوجية لكن باحترام الذات ، أن تشعر أنك تحترم ذاتك وترتفع بها فوق ذلك التحدي هو احساس جميل بحد ذاته ، ربما لو كان هاشم قد دخل السجن متهما في قضية قتل مثلا لتسببت له زيارة هذا المكان مرة أخرى بالنفور ، لكنه لا يشعر بهذا ، لا يغضب هاشم وهو يرى السجن ، هو يغضب حين يرى ظلما يقع على إنسان لأن لديه قيما يدافع عنها ، هنا يغضب هاشم.
لن يسامح هاشم في تجربة سجنه ، إنها عشرة سنوات كاملة من عمره قضاها هنا ، كل هذه التعقيدات بداخله هي التي تجعله يحجم كلما أراد الكتابة عن هذه التجربة ، فهي تجربته الشخصية ، موجودة داخله بوجعها ، هي وشما تحت الجلد لا فوقه كي يتباهي به ، هو حبس كمناضل في الحزب الشيوعي الأردني ، من أجل قضايا كبيرة وحلم كبير ، حلم تحرير فلسطين ووحدة الأمة العربية والاشتراكية وهذا هو ما سيكتب عنها . كتب كتابين داخل السجن : احدهما مجموعة قصصية بعنوان "قلب المدينة" والآخر كتاب "الحياة عبر ثقوب الخزان" . بالسجن أيضا كتب هاشم نصا يعتبره من أهم النصوص التي كتبها وقد كتبه بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان وبداية انكسار الحلم الذي كان يثق به ، بالرغم من هذا يعتبر هاشم أن كتاباته الأهم هي التي كتبها خارج السجن والتي تطورت بحكم التجربة.
تعرفت عليه زوجته وهو داخل السجن ، زارته مع زملائهابالجامعة على أنه واحد من الأبطال المسجونين ، بعدما ما خرج من السجن تعرفت عليه بطريقة مختلفة هذه المرة كبداية للعلاقة ، كان يدهشها أن هاشم المعتقل وهاشم الكاتب" بيصفي أخيرا هاشم الانسان الذي تحبه وتعيش معه ". هو مولود بحوارة ، وحوارة تقع على طريق قديم يربط بين بغداد وحيفا ، فمن منتصف السوق يسمون هذا الطريق شارع بغداد ، وعند نصفه الآخر حيث دوار الملك عبد الله يسمونه شارع فلسطين لأنه ينتهي إلى الضفة الغربية ، هنا ولد هاشم ، زار هاشم بيت جده ، ذلك الذي كتب عنه قصة وتذكر طفولته واحساسه بالراحة التامة في هذا المكان ، يتذكر هاشم زيارة جده له في السجن وكيف أنه قال له "انت مجنون ، تقعد كل هذا في السجن من أجل أن تكتب كلمتين؟ " فقال له هاشم أن "الدولة هي المجنونة والحكومة لأنها تحبس واحد عشر سنوات من أجل أنه كتب كلمتين " وصدقه جده وقال له "عندك حق ، يعني حكومة بتسوي هيك هي اللي مجنونة "

تاريخ العرض : 28 /ديسمبر / كانون الأول عام 2005



محمد الماغوط : سجن العصفورالأحدب

“عندما أتعب أضع رأسي على كتف قاسيون وأستريح ولكن عندما يتعب قاسيون على كتف مَن يضع رأسه؟” . بهذه الكلمات يفتتح محمد الماغوط * اللقاء ، يسترسل في الحكي بعدها ليقول ان شيئا ما بداخله قد تحطم بعد السجن ، الآن هو محمي من الدولة وحاصل على اوسمتها لكن كلما دق باب البيت بالليل يخاف ويشعر انهم قادمون للقبض عليه ، هو يرى السجن شجرة لها شروش ، هذه الشروش تذهب إلى لقصيدة ، وعلى المسرحية وعلى الفم الذي يقبله والصدر االذي يرضع منه والله الذي يصلي له .

هو محمد الماغوط ، ابيه احمد عيسى وامه ناهدة الماغوط ، الأب والأم من عائلة واحدة ، وكانوا فقراء ، في يوم أرسل الأب رسالة الى المدرسة طالبا منهم أن يرأفوا بحال الابن لأنه فقير فعلقت ادارة المدرسة الرسالة على لوحة الاعلانات ، فاصبح الابن مثار ضحكات كل من في المدرسة الأمر الذي تسبب في هروبه منها ، كان فقيرا لم يخطر بباله ابداً أن يعيش هذه الرحلة من سجن الى سجن حتى صار ما صار اليه .

يقول انه انتمى إلى الحزب القومي لأنه كان قريبا بجوار بيتهم بينما كان حزب البعث في حارة بعيدة ، بها وحل وكلاب تعوي كما ان مسؤول حزب البعث هناك كان اسمه سامي الجندي وهو ملاكم بينما محمد الماغوط يكره العضلات . في سجن المزة تعرف الماغوط على ادونيس ، كان هو بالمهجع الرابع وادونيس بالمهجع الخامس وعمل لهم الماغوط مسرحية بديكور واكسسوار وحوار حتى انه جعل من رجال الشرطة ممثلين .

سأله يوسف الخال ذات يوم : يا محمد بدنا شئ للنشر في المجلة ، قال له معي مذكراتي التي كتبتها بالسجن مخيطة بملابس الداخلية ، وطبعت تحت عنوان القتل ، عن ذكريات التحقيق والضرب والتعذيب والمسبات وكل شئ حدث بسجن المزة ، "ضع قدمك الحجرية على قلبي يا سيدي تضرب باب الحجر " .

لم يتعذب كثيرا محمد الماغوط بالسجن ، كرباجين ثلاثة على ظهره ، قلمين ثلاثة على فمه ،لكن المبدأ : فكرة كونه حبيسا كانت تضايقه لذلك مازال يشعر بالخوف ، الخوف بالنسبة له هو فقدان الحرية وانعدامها ، هو شئ لا تستطيع تعريفه.

ذات مرة التقى محمد الماغوط بأحد سجانيه ، كان محل حلو قد فتح وذهب ليشتري منه فإذا به يعرف البائع ، قال له : انت كنت سجاناً ، فاجابه الرجل : مظبوط ، بس انا كنت موظف وبس ، وصارا اصدقاء لا يشتري الحلو الا منه ، كان للماغوط سجانين أحدهما من دير الزور وكان لئيماً والآخر من حوران وكان لديه كف كبيرة كسهل البقاع ولكزته مثل السم ، جاءوا بجهاز راديو وميكروفون في السجن من اجل الصلاة لكن اول شئ أذاعه الراديو وهم يجربوه اغنية : "يا ظالم لك يوم " فصرخ السجانون بسرعة : "اغلقوا اراديو " واغلقوه .

لا يخاف الماغوط من الموت هو يحبه ويعتبره صديقا ، بينما يكره العقل والتنظير ، اما الحزن فهو وجة القلب وهو يرى ان العالم كله حزين بالرغم من الممثلين الكوميديين وافلام الكارتون .

هو يحب العناوين ، وكان يحبها مثله ويشجعه على حبها رياض الريس ، نشر له كتابا بعنوان "سأخون وطني " وصودر الكتاب لسنتين وكان يباع بالفي ليرة قبل ان يسمحوا بتداوله ، هو كذلك لا يحب القوافي ، ذات مرة قابله احد اللغويين على باب مقهى هافاناوسأله : " انت بقصيدة من القصايد وضعت طالما بعد اسم وطالما لا تدخل على اسم " فرد عليه الماغوط قائلا " لا بدها تدخل ، الناس عم يدخلوا ع السجون ، المعتقلات ، ع المصحات العقلية ، فيه جواسيس عم بيفوتوا .. ما ضاقت عليك الا من طالما تبعي " .

في بيته كان هو قوميا سوريا وله اخ شيوعي وثالث من جماعة اكرم حوراني ، بينما كانت امه تخطئ كثيرا في نطق اسم ماركس وتسميه سركيس ، سمع وهو طالب بكلية الزراعة عن مجلة الآداب لسهيل ادريس ورغب ان ينشر بها فأرسل لهم قصيدة وعرف نفسه بأنه الدكتور محمد الماغوط دكتور زراعة ونشرت القصيدة ، وكان اسمها النبيذ المر.

كان انتمائه إلى الحزب نوعا من اللجوء إلى الأكثرية ، وحينما حدثت الوحدة سافر الماغوط إلى بيروت وتعرف هناك على يوسف الخال وانسي الحاج وشوقي ابو شقرا والرحابنة وسعيد عقل وهو يعتقد ان بيروت اعطته شيئا غير طبيعي واحبته حبا غير طبيعي ، اما الشام فهي تأخذ ولا تعطي ، هو أحبها كثيراً حتى انه اسمى ابنته شام .

"دموعي زرقاء من كثرة ما نظرت للسماء وبكيت دموعي صفراء من كثرة ما حلمت بالسنابل الذهبية وبكيت "

هكذا يلخص الماغوط رحلة السبعين عاما التي انتهت به كحارس عجوز على باب الحزن .

* و كان الماغوط قد توفاه الله في الثالث من ابريل / نيسان 2006 ، أي قبل أسبوع من بث الحلقة “ .