Español  English  Français  
اصدقاء العرب

ديتر لامكا.. تصحيح النظرة الغربية للمشرق الإسلامي
"ديتر لامكا" هو أمين مكتبة المعهد الألماني للدراسات الشرقية في لبنان ، بدأت علاقته ببيروت قبيل الإجتياح الإسرائيلي بأيام ، حيث زارها في عام 1982 بدعوة من الجامعة الامريكية لحضور أحد المؤتمرات ، شهد لامكا بالفعل الأيام الأولى من الإجتياح ، واضطر إلى المغادرة بسبب الحرب ... عاد لامكا إلى بيروت بعدها بعامين 1984 ليبقى ثلاث اعوام يمارس فيها عمله كأمين لمكتبة المعهد.حادثة أخرى تدفع بيتر لامكا للخروج من بيروت سنة 1987 وهي إعتقال مجموعة من اللبنانيين في مطار فرانكفورت ،يغادر هذه المرة إلى اسطنبول ، وعلى عكس ما توقع،لم تكن هجرته من بيروت مسألة أيام إذ بقى في اسطنبول حتى أواسط التسعينات ...أسس هناك مكتبة أخرى تابعة للمعهد نفسه ،و عاد إلى بيروت في 1995 وبقى بها حتى اليوم ، ليظل أمينا للمكتبة بفرعي بيروت واسطنبول .

* حصل ديتر لامكا على الدكتوراه في العلوم الإسلامية في جامعة كولون ، وهو يعزو إهتمامه بالثقافة الاسلامية لتربيته في نظام تعليمي أوروبي مركزي قدم له الكثير من المعرفة حول الثقافة الاوربية دون غيرها ، وإستشعاره أن هذا غير كاف كي يفهم العالم وبالتالي فإنه من الضروري أن يدرس ثقافة غير أوروبية وأختار الثقافة الإسلامية دون غيرها من ثقافات العالم نظرا لشموليتها .

* يحكي لامكا عن أول تجاربه مع السفر وكان وقتها في العشرين من عمره حيث زار القاهرة ، ثم الخرطوم وبقى بها ثلاثة شهور زار خلالها كافة أرجاء السودان . يعتبر لامكا ان هذه التجارب الاولى هي التي دفعته إلى حب السفر إلى بلدان عدة في العالم العربي كالمغرب ومصر واليمن وعمان ودبي كما زار بلادا أخرى كالهند والصين وكان حريصا على رؤية المجتمعات الإسلامية بها فهو يعتقد أنه ليس مهما أن تعرف عن الشئ لكن من المهم ايضا أن تراه .

* يعد المعهد الألماني للدراسات الشرقية بلبنان بمثابة مركز للدارسين الألمان في بيروت وهو الوحيد من نوعه في المنطقة . داخل أحد الاقسام وهو قسم الصحف بالمكتبة يشرح لنا لامكا عمله الذي يتلخص في توفير الكتب والأبحاث والمراجع للباحثين. ، فهو يجمع هنا المخطوطات والمطبوعات ولديه ما يقرب من 130 الف مجلد ، يعمل بدأب من اجل تزويد القادمين من الغرب بكتب وصحف تنشر في العالم العربي ويصعب الحصول عليها في أوروبا لذا فهو في حركة دائبة ما بين بيروت ودمشق والقاهرة ، وأحيانا صنعاء وتونس والدار البيضاء ، في مهمة أساسية هي زيارة المكتبات والمعارض وشراء الكتب ، لذا فالمكتبة التي يشرف عليها هي واحدة من اهم المكتبات التي تضم موادا تخص الشرق الأوسط والتي يقصدها الباحثون الأجانب واللبنانيون على حد سواء . يؤكد لامكا أنه من المهم ألا يعكس إختيار الكتب منهجا معينا قد يفرض على الباحثين ، ولا رؤية بعينها فالمكتبة تشمل جميع الأفكار من اليسار إلى اليمين ومن العلماني إلى الأصولي ، كما انها لا تقتصر في اهتمامها على الثقافة الإسلامية فحسب لكنها ايضا تعنى بالمسيحية الشرقية وبها مراجع هامة كتبت باللغات الاصلية، القبطية ، السوريالية ، الاثيوبية.

* لامكا وهو يستعرض مجموعاته من الصحف أكد أنه حاول تكوين مجموعة خاصة منها للمهتمين بقضية فلسطين ، فلديه أحد أفضل المجموعات من الصحف الفلسطينية وتحديدا السياسية منها ،ويضرب مثلا بصحيفة فلسطين الثورة التي استطاع شراء مجموعة من أعدادها وهي نادرة جدا إذ أتلف معظمها أثناء الحرب الأهلية في لبنان .

* كمثقف ، يمارس ديتر لامكا العديد من الإهتمامات الأخرى التي تتشابه مع جمع الكتب والمراجع مثل جمع الصور الأصلية والبطاقات البريدية ويقول أن لديه أحد أفضل المجموعات من البطاقات البريدية الخاصة بالدعاية في الحرب العالمية الأولى ،كما إنه مهتم بشكل خاص بفن الخط الاسلامي ، ولديه غير ذلك مجموعة كبيرة من الصور التاريخية النادرة عن الشرق الأوسط ، التي يعتبرها مهمة جدا للتأثير في فكرة الغربيين عن الشرق ،لامكا يرى ان هؤلاء الرسامين وفدوا إلى لشرق خلال القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر وفي أذهانهم أن أوروبا تتسم بالوضوح والتعقل والعدالة بينما يوصف الشرق بالفجور والطغيان والظلام ،ثم بدأ الرسامون يحاولون تصوير التوسع الغربي باتجاه الشرق ، وفي مرحلة تالية كانوا يستخدمون الشرق كلوحة تنعكس عليها أحلامهم وحاولوا إظهار تفاصيل الحياة اليومية ، هذه اللوحات التي تناولت موضوعات مثل الجانب الغامض للمرأة الشرقية والحكم الشرقي الطاغي والحياة الغنية في المدن والقرى والصحراء انتشرت بشكل كبير مع تطور إمكانيات الطباعة وأصبح ثمن اللوحة زهيدا جدا وصارت لاحقا متداولة على طوابع البريد ومن ثم أصبحت شائعة وجزءا من العقل الجماعي ومن صورة الشرق التي يحاول ديتر لامكا أن يساعد الغرب على تغييرها .

* يصنع الناس هواياتهم ، يأخذون من تراثهم القديم ويضيفون اليه ، هذا ما يراه لامكا ، لذلك ، و حينما يسأله البعض: انت ذاهب الى بيروت ؟؟ أليس هذا المكان خطير؟! يبدأ في اعطائهم المزيد من المعلومات كي يصحح رؤيتهم وانه ليس محاطا بالإرهابيين كما يظنون إنه يشعر أنه في وطنه وأنه مرتاح.. وأن هذا المحيط هو جزء منه.. لا يساوره هذا الشعور في بيروت وحدها ، لكن في كل العالم الإسلامي الذي زار أغلب مدنه وعواصمه.

تاريخ عرض الحلقة :13 يناير / كانون الثاني 2006 – " الجزيرة " الإخبارية .



2- كريستيان لوبان : عاشق مصر وآثارها

جاء كريستيان لوبان لمصر عام 1973 ولم يكن يتصور ان اقامته بها ستطول هكذا ، وأنه سيفتقد مصر هكذا كلما سافر إلى فرنسا لاتمام بعض المهام كما يحدث اليوم . بدأ كريستيان رحلة ولعه بالآثار المصرية حينما كان عمره 12 عاما ، لكن رحلته الاولى لمصر كانت في عام 1970- 1971 ، وأنذاك تعرف على عالم المصريات الفرنسي سرج سونورو والذي كان يشغل منصب مدير معهد الآثار الشرقية بالقاهرة واصبح بالنسبة له مثلا يحتذي به. وعاد لوبان لمصر سنة 1973 ليعمل في مركز دراسات وتوثيق آثار مصر الفرعونية . كان عمره 12 عاما حينما انطلقت حملة اليونسكو في الستينات لانقاذ آثار النوبة ، وبعدما سمع في التلفزيون وزير الثقافة الفرنسي انذاك ، اندريه مارلو ، يعلن نداء اليونسكو لكل دول العالم لانقاذ آثار مصر ، جمع تبرعات من زملائه بالمدرسة وأرسلها لليونسكو بباريس ، وقام مدير اليونسكو بالرد عليه برسالة شكر ، كما ارسلت له سكرتارية الرئيس عبد الناصر رسالة تدعوه إلى مواصلة الاهتمام بالحضارة الفرعونية .
بعد المدرسة الثانوية التحق لوبان بمدرسة اللوفر ، وتمكن من العمل بالمتحف ومن هنا بدأت رحلته كعالم مصريات ، فحصل على الليسانس في التاريخ ثم الماجستير في التاريخ القديم ثم حصل على اكثر من شهادة دكتوراه في علم المصريات ، ودرس اللغة المصرية القديمة .
في مصر عمل بأكثر من موقع أثري من اهمها منطقة وادي الملكات بالبر الغربي بالأقصر، والتي استمر عمله بها لمدة 20 عاما كاملة وكانت منطقة بكرا لم تمتد اليها يد و بحاجة الى التنقيب ، فقام بفتح ثمانين مقبرة بها لم تكن قد اكتشفت من قبل لكن أنها نهبت في عصور قديمة ، او من قبل رحالة في العصور الوسطى .
بعد انتهاء العمل في وادي الملكات أراد مواصلة البحث الأثري والتاريخي حول عائلة رمسيس الثاني ، فأنتقل سنة 1991 الى معبد رامسيوم ، الذي يعتبره مادة رائعة للدراسات الأثرية . بدأ العمل بازالة الغبار المتراكم عبر الزمن فوق اعمدة المعبد حتى بدت الوانها الجميلة التي كانت مختفية تحت الغبار ، ازالة هذا الغبار استلزمت استخدام ادوات متناهية في الدقة وشديدة التخصص ، ومازالت مهمة معبد رامسيوم مستمرة بالمشاركة مع علماء مصريين . ويتحدث لوبان وهو يمارس عمله مع العاملين المصريين في معبد رامسيوم عن الاحتفاء بوجود عمال مصريين مهتمين ، يتم تدريبهم على اعمال النحت وقطع الاحجار وترميم الآثار على يد متخصصين فرنسيين .
العمال المصريون الذين يعملون مع كريستيان لوبان هم ابناء عائلات هو يعرفها جيدا وعمل اباؤهم في ترميم الأثار وكان يراهم اطفالا كبروا امام عينيه إلى ان انتهوا من المدرسة و التحقوا بالعمل مع البعثات الاجنبية العاملة في ترميم آثار مصر ويشعر ان جوا اسريا يسود العمل بين العمال الذين يبلغ عددهم من 120 إلى 130 عامل .
يبدأ يومه من الرابعة ونصف او الخامسة صباحا تفاديا للحر الشديد في المواقع الأثرية التي يستمر بها العمل لست ساعات متتالية ثم تبقى مهام للعمل بالمنزل مثل تدوين الملاحظات اليومية الخاصة بالموقع. سنوات طويلة قضاها في مصر رأى فيها مصر تتطور وتتغير ، هو يحب أجواء الحرية فيها ، ويحب ميزة أخرى في مصر وهي ان العدد الأكبر من سكانها شباب على عكس الغرب ، والشباب مهم لأنهم الأمل .

تاريخ العرض : 1 يوليو / تموز عام 2005



3- ماري لويز بلعربي

ولدت ماري لويز بلعربي في مونبلييه بحنوب فرنسا . كانت الأبنة الرابعة لطبيب كاثوليكي وأم بروتستانتية ، وكان من النادر آنذاك ان يتزوج كاثوليكي ببروتستانتية ، كانت الأسرة مهتمة بالثقافة لذلك عندما قررت ماري ان تدرس التحرير والمكتبات في باريس وافقت الأسرة . كان هذا في مطلع الخمسينات ، كانت وقتها ابنة الثمانية عشر عاما ، تخرجت ماري وعملت سكرتيرة بدار نشر جوليار لسبع او ثماني سنوات قبل ان تقابل زوجها المغربي الاصل . كانت دار جوليان تحرر نصوصا لكتاب مغاربة وخاصة من الجزائريين الذين اختاروا فرنسا منفى لهم ، التقت زوجها عند بعض الاصدقاء ، كان الشاب غارقا في النوم وهو جالس على كرسي اسفنجي ، تساءلت هي ما هذا ؟ الا يشعر بالخجل؟ وحينما ايقظوه وجدته خفيف الظل جدا وصارا صديقين وانتهى الامر بالزواج .
بهرها في المغرب ذلك الود المفتقد في باريس التي ينحى اهلها الى الفردية ، كان كل جيرانها يعرفونها و يجلبون لها أطايب الطعام كل مساء في رمضان الأمر الذي كان مدهشا لها ، احبت في المغرب النور والطيبة الساحرة وزارت كل مدن المغرب خاصة وانها اصطحبت عائلتها الفرنسية لزيارة كل مدن المغرب ، وهي تقول انها تعرف المغرب أكثر من زوجها .
ذات يوم قالت لها زكية داوود الصحفية المغربية ، وكانت صديقة لها ،ان شخصا ما يريد امينة مكتبة لتعمل معه ، وكانت وقتذاك تعمل بالتدريس لعشرين ساعة اسبوعيا ، قابلت الرجل الذي كان فرنسيا يبيع قواميس في جادة محمد الخامس واتفقت على العمل معه فيما تبقى من وقتها بعد التدريس ، ثم انتقلت للعمل في مكتبة اخرى من مكتبات الرجل نفسه لكنها بالحي اللاتيني بعدما اقنعته ان الجادة الخامسة لا تصلح مكانا لمكتبة . فشلت تجربتها الاولى وافلست المكتبة مما احبطها كثيرا فقررت ان تتعلم الانجليزية ثم اقنعتها صديقة امريكية بمحاولة تأسيس مكتبة جديدة . ولم لا ؟ فلدينا المفروشات والكتب ، اجرتا مكانا كان قيد الانشاء بغرض استخدامه كمرآب ، وبالرغم من ان المرآب كان مجزيا اكثر من الناحية المالية إلا انها اقنعته ان الثقافة مهمة وانها ستسهم في تغيير الحي وهذا ما حدث بالفعل ، اتفقت ماري مع اصدقاء لها يعملون في شركة دعاية واعلان اسمها "بوبليسيست وارمان " على خطة دعاية قائمة على شراء الكتب للتصفية ، ونجحت الحملة وكسبت المكتبة الجديدة من تصفية كتب الحي اللاتيني مما اعطاها فرصة لشراء كتب جديدة ، كانت فلسفة المكتبة مختلفة عما اعتاده المغاربة ، فقد كان المغاربة نادرا ما يدخلون مكتبات وكانت المكتبات الاخرى تمنعهم من لمس الكتب ، اما ماري فقد دعتهم لتصفح الكتب واخبرتهم انهم ليسوا ملزمين بالشراء ، كان هدفها بالأساس هو تثقيف فئة من المغاربة واصبحت المكتبة التي صار اسمها "ملتقى الكتاب" مكانا للقاء فوق كونها مكتبة ، هنا يأتي الكُتاب والقراء ويتناقشون بحرية لا يجدونها في مكان آخر ، فأصبحت المكتبة كذلك منبرا للتعبير الحر بلا موانع ولا رقابة ولا حذف .
أسست ماري دار نشر جديدة هي "دار طارق للنشر" وكان لتاسيسها قصة ، اذ زارتها صديقتها جويل في المكتبة ذات يوم وعرضت عليها فكرة تأسيس دار نشر معا ، اعتذرت ماري بمشغولياتها فقد صارت جدة ولديها عمل كثير بينما هي يفترض بها ان تتقاعد كما تعتقد ، بعد اسبوع زارها عبد العزيز مريد وهو صحفي تعرفه جيدا ، كان يحمل مصنفا كبيرا تحت ابطه وقال لها انه انهى قصة مصورة ويريدها ان تعثر له على ناشر ، كانت تتصفح الصور وتزداد حماستها إلى ان قالت له سننشرها نحن ، نحن بصدد تأسيس دار نشر واسست بالفعل دار طارق للنشر مع صديقتها جويل وصديقها ميشو بناني . اسست ماري لويز فيما بعد " جمعية عين شمس" وهي تضم مغاربة مسلمين ومسيحيين ويهود وفرنسيين واسبان يتناقشون بحرية ، يتعارفون ويحكون عن مشاكلهم .
كأم تتحدث ماري لويز عن فلسفتها في تربية الأطفال : " ببساطة ان تحبهم وتعرف ما الذي يسعدهم "ولذلك فهم اسعدوها اكثر من النشر والمكتبات التي هي اهم ما في حياتها لكن الاولاد يأتون قبل كل شئ ".

تاريخ العرض : 24 يونيو / حزيران عام 2005



4- منى عمارة

منذ عام 1977 تعيش منى عمارة في مصر .تحكي حكايتها وهي تستمع إلى أغنية عبد الوهاب "ايه انكتب لي" ، وتعد كوبا من الشاي المصري . اليابان هي موطنها الاصلي وهناك تقابلت مع زوجها، كانت تدرس دورة في اللغة الانجليزية وكانت لها صديقة تعمل في شركة ميتسوبيشي فأخبرتها ان لديهم وفدا من المصريين يتكلمون الانجليزية واحدهم يتكلم اليابانية وفي تلك الزيارة قابلت زوجها الذي كان يعمل في هيئة قناة السويس والذي كان في مهمة عمل بشركة ميتسوبيشي باليابان . شعر المصري حين قابلها انه يقابل فتاة مصرية تنتمي من جيل الثلاثينات ، فتاة تشبه امه فقرر الارتباط بها ، قبل مجيئها الى مصر سمعت الكثير الذي يخيفها : "بلد كلها صحراء بلا مدنية .. لا يوجد كهرباء ولا ماء .. بدو يرعون الغنم" . كانت لا تعرف عن مصر سوى الاهرامات وابو الهول وحينما ارتبطت بزوجها اخبرها احد زملائه أيضا ان الحياة في مصر صعبة لأن الاقتصاد ضعيف وانها لن تستطيع شراء ما تريد من السوبر ماركت كما تفعل في اليابان ، وان عليها ان تقف في طوابير الجمعية الاستهلاكية لشراء احتياجاتها ، كل ما سمعته اخافها فقررت ان تأتي مصر أولا للزيارة وليس للزواج ، حجزت بطاقة سفر ذهاب وعودة حتى تطمئن والدتها لكنها لم تعد ، كان زوجها يستقبلها في المطار مع اخوته رحبوا جميعا بها وكذلك رحبت بها ام العريس التي اعدت لها طعاما مصريا ، أكلته منى على سبيل التجربة .
لم تستخدم منىبطاقة العودة لليابان اذ تزوجت واندمجت في عائله زوجها . علمتها حماتها كيف تعد طعاما مصريا كما تعلمت العربية ،غضبت امها قليلا لكن منى احبت مصر وعاشت فيها واقتنعت امها اخيرا بجدية التجربة التي تعيشها الابنة
هو ويهارا هو اسمها الأصلي الذي لم يعد يتذكره احد ، وحينما قررت ان تختار اسما عربيا قررت ان تختار اسم منى لسهولته ،منى احبت في المصريين تآلفهم وتقاربهم لذلك فقد كانت سريعة جدا في الاندماج في الحياة في مصر وتعلم الغة العربية، يذكر زوجها انه غاب اسبوعا عن المنزل ليعود ويجدها تتكلم 3 كلمات بالعربية ،و بعد 5 شهور من حياتها في مصر كانت تتكلم العربية وتنزل السوق لشراء احتياجاتها .
صامت منى اول رمضان مع زوجها الذي اخبرها عن الصيام لكنه لم يهتم كثيرا بالتفاصيل فلم يخبرها عن السحور ولم يخبرها بموعد العيد ومتى يكف الناس عن الصيام .. فصامت منى كثيرا بلا سحور وظلت على هذا طويلا حتى بعد انتهاء شهر رمضان حتى فقدت الكثير من الوزن ،ثم اخبرها زوجها عن وجود جامع في اليابان وكذلك مركز اسلامي يمكن ان تشهر اسلامها به مفضلا ان تشهر اسلامها باليابان وليس بمصر وهو ما قامت به فعلا .
كانت منى ترعى حفيدتها ملك في الحديقة وتحكي عن تعلق ملك بها، بينما يحكي زوجها عن تربيتها لبنتيها دينا ومي باهتمام شديد فساعدتهما منذ صغرهما على اختيار رياضة وبالفعل اختارتا التنس كما عودتهما الاعتماد على النفس فسافرت دينا وهي عندها 11 سنة لتمثل مصر في بطولة افريقيا في ساحل العاج كما سافرت مي إلى هولندا ، تواصل منى مهمتها كأم مع حفيدتها ملك التي تربيها وفق نظام شديد وهي لا تريد ان تعطي نفس الانطباع بأن الجدات يدللن احفادهن فقررت ان تربيها تربية حازمة وهي تشعر انها موظفة طالما هي في مهمة رعاية ملك ، هي كذلك كأي امرأة شرقية ترفض ان تعمل فهي لا ترى انه من الممكن ان تقسم وقتها بين البيت والعمل .

حاولت منى ان تطهو لزوجها طعاما يابانيا لكنه لم يحبه ، اما هي فقد استساغت الأكل المصري حتى انها تأكل الكوارع التي لا يأكلها زوجها .. منى اتقنت العربية تماما لكنها بدأت تشعر ان لغتها اليابانية هي التي صارت ثقيلة ، سافرت منى إلى ليابان مؤخرا ولم تستطع البقاء اكثر من شهر وعادت تقول ان بيتها واسرتها هنا في مصر وانها يمكن فقط ان تذهب لليابان كسائحة .

تاريخ العرض :17 يونيو / حزيران عام 2005



إيرغا ريهينس : تبني القضايا العربية

ولدت إيرغا في فلسطين سنة 1935 لأم من يافا وأب ألماني ، ولما كان الأب يحارب القوات البريطانية فقد تحتم على الأسرة الرحيل الى الولايات المتحدة الأمريكية . تعلمت إيرغا في المدارس الأمريكية والتحقت بالجامعة لكنها لم تنه تعليمها . لم تكن هناك مدارس متخصصة لتعليم الفن وهي بالمقابل لم تكن تريد أن تتعلم كي تمتهن مهنة بعينها لذا فقد علمت نفسها بنفسها . عاشت وعملت في نيويورك لكنها في العام 1977 غادرت أمريكا الى البرتغال ، هي تعتقد أن حياتها في البرتغال قد سهلت عليها الحياة في أي بلد عربي فالبرتغاليين تجري في عروقهم دماء عربية ، و يوجد كثير من التشابه بينهم و بين العرب ، لكن دخول البرتغال للسوق الأوربية المشتركة سنة 1988 جعل البرتغال يشبه الكثير من بلدان أوربا ولأنها تحب التحدي فقررت الرحيل ، هذه المرة إلى البلد الذي ولدت به : فلسطين . عاشت إيرغا في الشطر العربي من القدس بين عامي 1996 و1997 ، وعملت في التنقيب عن الآثار ، وتمكنت من عمل بحوث عن البدو وهي مفتونة بهم تشعر ان لديها شيئا مشتركا معهم وهو عدم البقاء في مكان واحد . في سبتمبر سنة 1997 قال لها مدير مشروع التنقيب عن الآثار في القدس : اذهبي إلى وادي رم وذهبت بالفعل إلى هذا الوادي الذي يقع في العقبة ، وعاشت هناك في مكان بالقرب من الحدود مع السعودية لمدة اسبوعين ، كانت تجربة صوفية ومميزة للغاية ووقعت إيرغا في غرام وادي رم ، وعادت لتقيم في وادي رم اقامة كاملة .

احبت إيرغا حياة البدو ، شعرت انها تقدم لها البساطة التي ظلت تحلم بها " انك في الصحراء لا تملك الا ما تحتاجه فقط لا أكثر ولا اقل : اعواد ثقاب ، حطب ، طحين لصنع الخبز ،أرز، وملابس " . وفي حالة إيرغا بعض الكتب للقراءة . اعجبت إيرغا كذلك بفكرة المشاركة الموجودة في ثقافة البدو واعتنائهم ببعضهم البعض ، اذا جاءهم من يفتقد مكان للمبيت يوفرون له مكانا ، وإذا جاءهم جائع تشاركوا جميعا في اطعامه ، لا يقتصر أمر الضيافة عندهم لثلاث ليال ، و إيرغا هي المثال : فهي ضيافة البدو منذ اكثر من سبع سنوات .
في الصحراء وجدت إيرغا فكرة الحرية ، لا جدران ، لا غرف ، لا أشكال هندسية ، لهذه الأسباب هي تعتقد أن الناس يحبون هذا المكان ، انه يذكرهم بأصولهم ، وهنا تتمكن من الاتصال بجذورك ككائن بشري ، تلك هي الفكرة التي أرادت إيرغا التعبير عنها في كتابها الذي نشرته عن التجربة . يجد البدو صعوبة في تقبل مسألة وجود امرأة عزباء بينهم ، ولكن إيرغا في البداية قالت لهم مازحة : "كي اتزوج يجب أن أحصل على ألف جمل ، خمسمائة جمل داكن وخمسمائة جمل أبيض " قالت هذا وهي تعرف أنه لا يوجد أحد في الأردن يمتلك ألف ناقة ، لكن ذات يوم جاءها شخص يدعى سليمان طالبا يدها للزواج من جده ، كانت هي في السبعين من العمر وجده في الخامسة والسبعين أو السادسة والسبعين ووعدها بتقديم خمسمائة جمل مهرا ، لكنها أخبرت سليمان انها تزوجت من قبل مرتين وقد مات كل من زوجها الأول والثاني ، فقال لها سليمان أنه قد أخبر جده فقال " أنه مادام قد توفى زوجك الأول والثاني فهو لا يريد أن يكون الثالث " وانتهت القصة عند هذا الحد ، وصارت هي ترد على السؤال الموجه لها دائما : لماذا لا تتزوج ، بأن تقول أنها قضت على زوجين سابقين وما من سبب وجيه لتكرار الأمر .
يحكي أحد سكان وادي رم كيف أن إيرغا التي جاءت في البدء سائحة صارت الآن واحدة منهم ، تصنع الخبز لنفسها ، تزور المرضى وتشارك في الأفراح والأحزان كباقي نسائهم . إيرغا وهي تجلس مع أطفال البدو كانت تقول أن هؤلاء هم عائلتها وهؤلاء الأطفال هم احفادها ، ترى إيرغا ان هناك مبادئ أساسية مشتركة في تربية الأطفال لكن هناك قيم مختلفة ففي الغرب يربون الأطفال على الخوف أكثر بينما هنا يتحرك الطفل بحريته ويقترف أخطاء الطفولة التي تؤهله لتحمل المسؤولية . في الغرب كذلك يتعلم الطفل منذ نعومة أظافره أن يكون بالغا لكن هنا يسمح لهم أن يعيشوا كأطفال ويستمتعون بطفولتهم لفترة أطول . قبل مجيئها الى وادي رم كانت إيرغا تعبر عن نفسها بالرسم ، لكنها بعد ذلك اقتنت كاميرا ، فبعد أن شاهدت روعة المكان قالت انه مناسب لالتقاط الصور ، تشعر إيرغا أن أشياء كثيرة في حياة البدو تتغير ، تقترب منهم التكنولوجيا، صاروا يمتلكون سيارات جيب ، يزداد اقترابهم من العالم المتحضر ، وهي حزينة لهذا التغيير رغم انها ليست ضد التغيير بشكل عام .

تاريخ العرض : 8 / يوليو / تموز عام 2005



كارين عصفور : هموم وآلام العرب

كارين عصفور أمريكية قابلت زوجها وهي في السنة الثانية في جامعة شرق ميتشجان ، كان وقتها يحضر للماجستير بينما هي كانت تدرس ديانات العالم الأساسية . بعد عام من التعارف طلب محمد يدها من أبويها وبالرغم من أنهما قد أحباه بالفعل إلا أنهما لم يكونامتحمسين للفكرة ، كان الخوف مما ستؤول إليه حياة ابنتهما بعد الزواج من عربي ، ومن قدرتها على عدم التأقلم على حياتها في الأردن ، وهل ستفقد حريتها ، كان الناس يقولون لها : لا تنسي انه يستطيع الزواج بثلاثة نساء أخريات ، لم تشعر هي بهذا التهديد قط ، كان أبوها يعتقد أنها ستسمر لستة أشهر فقط في هذه التجربة لكن في النهاية وبعد 25 سنة من الزواج أدرك ان هذه هي العلاقة الوحيدة التي استمرت إذ تزوجت شقيقتا كارين وطلقتا بينما هي تمكنت من تأسيس حياة جديدة في الأردن وتعتقد أن والديها فخوران بذلك .
سارت الحياة على ما يرام بالنسبة لكارين ، انتقلت مع زوجها إلى الأردن وعملت كمدرسة في المدرسة الأمريكية وانجبت ابنتها الأولى "ماليا" ثم بعد عامين انجبت ابنتها الثانية "تالا" وبعد ثماني سنوات أخرى رزقت "قيس " ثم بعد سبع سنوات تالية انجبت صبيا آخر هو جاد ، يحمل أبنائها بالطبع الجنسية الأمريكية ، لكن كان قرار الأسرة ان تتم تربيتهم على أنهم جزءا من المجتمع الأردني ، ورأت الأسرة ضرورة أن يتعلم الأولاد اللغة العربية لكونهم عربا وكذلك اللغة الانجليزية لأهميتها فكان الاتفاق هو أن يتحدث الأبناء العربية مع أصدقائهم خارج المنزل وفي المنزل يتحدثون الانجليزية كي يتمكنوا من إجادة اللغتين .
اعتنقت كارين الاسلام ، كان القرار قرارهاهي بدون ضغوط من أحد ، شعرت كما تحكي أن هذا هو القرار المناسب لها كزوجة لمسلم وأما لأبناء مسلمين ، مارست كذلك نشاطا اجتماعيا تمثل في انضمامها إلى نادي النساء الأمريكيات سنة 1963 ، وشغلت منصب نائب الرئيسة به لدورتين كاملتين ، كان أهم ما يقدمه النادي هو جمع التبرعات وتقديمها للأعمال الخيرية ، عند قبولها لمنصب نائب الرئيس شعرت كارين انه لا ينبغي الاقتصار في تقديم التبرعات على المراكز الخيرية في عمان فقط ومن ثم بذلت مجهودا لتوجيهها لأماكن عدة في الأردن ، فسافرت لأقصى شمال الأردن وأقصى جنوبه وزارت العديد من القرى وكان هذا الأمر أكثر ما استمتعت به في أواسط الثمانينات .
انخرطت كارين كذلك في العديد من الأعمال الخيرية فمنذ السبعينات عملت كمتطوعة في جمعية الحسين لاعادة تأهيل المعاقين وأصبحت ، و إلى الآن ، عضوا بمجلس ادارتها ، لا يقتصر نشاط الجمعية على الأطفال فحسب بل لديهم مشغلا للفتيات انشئ في اواخر الثمانينات ومطلع التسعينات ، وعملت هي وصديقة اخرى تدعى ماري روز على ادارته منذ ذلك الوقت ثم تم تعيين محترفين لإدارة المشغل وتفرغت هي وماري للعمل في مجال ملابس الأطفال ، وملابس التمثيل ولدى الجمعية متجرا يبيع انتاجها ويتلقون طلبات من المدارس ومن منتجي المسرحيات لتوريد أزياء لهم ، ولا يقتصر نشاطهم في توزيع المنتجات على المنتجات الخاصة بهم بل يوزعون منتجات لجمعيات أخرى . تم التصوير مع كارين وهي تلتقي بأطفال قامت الجمعية بتوزيع كراسٍ متحركة لهم ، الكراسي هي نتاج تعاون بين جمعية الحسين ومؤسسة بالولايات المتحدة تدعى مؤسسة "الكرسي المتحرك" وقد سلمتهم المؤسسة هذه الكراسي لتسليمها لمن يحتاجها وقد وزعوها بالفعل في كل انحاء الأردن و على كل محتاج وليس على أطفال المدارس فحسب .
قبل قدومها إلى الأردن لم تكن كارين مثقفة سياسيا لكنها تعتبر أنه من الصعب أن تعيش في الأردن ولا تهتم بالسياسة وهي قد عاشت أحداثا سياسية كبيرة بعد قدومها إلى الأردن منها حرب 1967 ومنها كذلك الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 والذي على اثره قامت هي ومجموعة من النساء البريطانيات بتأسيس منظمة "البصيرة" هدفها محاولة التأثير في الرأي العام داخل بلادهم الأصلية وتقديم رؤية جديدة للشرق اللأوسط والتعبير عن مشاعرهن تجاه المنطقة .. تعقد المنظمة اجتماعا شهريا كما تهتم بمقابلة المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين لدى قدومهم إلى الأردن والتحاور معهم من هذه الزاوية .
قامت مائة وخمسون سيدة أمريكية متزوجات من أردنيين بالتوقيع على رسالة سلمت للرئيس جورج بوش تطالبه باتباع سياسة المفاوضات ووضع حد للنزاع ، كما شاركت كارين سنة 1990 بتوجيه رسائل للرئيس الأمريكي وأعضاء في الكونجرس ، وعقدت مؤتمرا صحفيا وظهرت على شاشات التلفزة وهن يقدمن رسائلهن للسفير الأمريكي ، وبالرغم من أن مساعيهن لم تنجح اذ اشتعلت الحرب إلا أنهن حاولن مرة أخرى مع حرب الخليج الأخيرة ، لتوضيح وجهات نظرهن للناس خارج الأردن .
هي في النهاية تشعر أنها أردنية ، تثير قلقها بعض الأشياء الصغيرة كالزحام وتوزيع الأكياس البلاستيكية عبر البلاد والقضايا البيئية وتشارك في القضايا الكبرى كالانتخابات ومشاركة النساء وحماية البتراء وتعتبر أن آراءها ليست نقدا من الخارج فهي تنتمي لهذا البلد وهذا ما يجعلها دائما تكتب أراءها في صحيفة جوردان تايمز .

تاريخ العرض : 15 / يوليو / تموز عام 2005



جين تايلور عاشقة الأردن

بعدما أنهت جين تايلور دراستها اعتقدت أن حياتها ستسير كأي امرأة انجليزية عادية ، عملت بداية في التدريس ثم انتقلت للعمل في مجال النشر ، لكنها شعرت أن للحياة معنى أكبر من هذا ، كانت قد ولدت في الشرق الأوسط وتوزعت نشأتها فيما بينه وبين استراليا ، وكان لديها ذلك الولع للاستكشاف ، حاولت أن تتخطاه ولم تستطع ، فكرت أن تذهب إلى مكان تستطيع ان تكسب رزقها به ولذا فكرت في اسطنبول حيث لها بعض الأصدقاء هناك ، وتستطيع أن تكسب من خلال تعليم الانجليزية للأتراك وهناك عملت في الكتابة لبعض الصحف والمجلات كما اختارتها البي بي سي كباحثة لبعض البرامج التي تدور حول الفنون والتاريخ التركي وهذا ما فتح لها باب العمل في مجال التلفزة حتى بعد عودتها إلى لندن .
في بدايات الثمانينات قررت جين السفر إلى جنوب أفريقيا للتعرف على تجربتها في الحفاظ على الحياة البرية في محمياتها ، هناك التقت بأحد منتجي الأفلام وقررا معا عمل فيلم حول سكان الغابات في صحراء كلهاري ، قادتها التجربة إلى مقابلة فان دير بوست الذي اشترك في تقديم فيلم عن سكان صحراء كلهاري في الخمسينات واسفرت التجربة عن صدور كتاب "اعترافات رجال الغابة" الذي كتبته مع فان دير بوست . بدأت جين تايلور في البحث عن موضوعات أخرى للكتابة وكانت مهتمة بالتاريخ حيث انهت دراستها الجامعية في التاريخ وكانت تذهلها معرفة خبايا المجتمعات وكانت كذلك تعتقد أن أي بلد هو نتاج تاريخه ، وهو في الحالة الأردنية متنوع ، البشر أيضا هم من يصنعون التاريخ .. وهذه هي النكهة التي تحاول جين تايلور اضفائها على التاريخ ، تفاصيل البشر بديلا عن النظر الى التاريخ كأرقام وحقائق جافة . تذكر جين في هذا السياق حصولها على رسالة بعث بها جندي روماني إلى والده ، وكان الجندي موجودا قرب البتراء ، وقال لوالده أنهم يمضون الوقت في نحت قطع الحجارة ، هنا تقرأ جين انه و فور سقوط المملكة النبطية في أيدي الرومان كان هناك حصون يجب أن تبنى وطرق يجب أن تعبد ، لذا فقد أمضوا الكثير من الوقت في قطع ونحت الأحجار ، تستخدم جين كذلك التصوير في توثيق كل ما تكتبه ، وهي تسعى عادة لاختيار الموضوعات المرئية .
كان مجيئها إلى الأدن بفعل الصدفة إذ جاءت لتحل محل المدير السياحي لاحدى شركات السفريات التي كان يمتلكها صديق لها ، كان هذا سنة 1978 وكانت الرحلة إلى الأردن وسوريا ، وقد احبت الشرق الأوسط من وقتها ، وبدءا من أول أيام سنة 1984 بدأت تأتي بشكل سنوي إلى الأردن وتأخذ العديد من الصور ، ذات مرة في عام 1989 اتيحت لها فرصة الحصول على صور إلى الأردن من داخل الطائرة ، وفكرت في اصدار كتاب عن "التصوير الفضائي إلى الأردن" ومن ثم قررت أن تنقل اقامتها للأردن لمدة عام ، مر على هذا القرار خمسة عشر سنة وهي مازالت باقية في الأردن . صدر كتابها "في الأعالي فوق الأردن" وكان فريدا من نوعه ، لم يكن هناك كتابا قبلها يشير إلى مدى روعة وتنوع الأردن ، حتى كتب الارشاد السياحي كانت بالأبيض والأسود ، صدر الكتاب بالانجليزية والفرنسية والايطالية والألمانية بالاضافة إلى ثلاثة لغات أخرى ، أصدرت جين بعد ذلك كتابها عن البتراء والذي صدر سنة 1993 ، ثم ادركت أنه لا يوجد كتاب واحد يحكي عن تجربة القوم الذين بنوا البترا : النبطيون وهنا جاءتها فكرة الكتاب الثالث والذي اسمته "بترا ومملكة النبطيين الضائعة " . تجهز حاليا لكتاب جديد عن الأردن بعنوان "الأردن :الأرض والشعب" وهي بالفعل قامت بانجازه جزئيا، و كانت تخطط لاصداره وقت اللقاء معها .
تعيش جين في بيتها في الأردن منذ خمسة عشر عاما ونصف وهي تعد نفسها محظوظة كي تجد مثل هذا البيت الذي ارشدها إلى السكن به بعض الأصدقاء ، فهي تحب المنطقة التي تسكن بها لأنها محاطة بالأشجار والبيوت القديمة التي لم تكن تحلم بأن تسكن في واحدة منها ، وحين سكنت هذا البيت كان فارغا تماما اذ كان قد استخدم قبلها كاستوديو لفنان ، ثم بدأ البيت يمتلئ بها ، وبشخصيتها بشكل تراكمي ، هي تحب الحياة في هذه المنطقة ، كما تحب الحياة في الأردن عموما ، وترى الكثير من الدفء والترحاب من الأردنيين وترى أن الكلمة الأولى التي يتعلمونها بالعربية أو بالانجليزية هي كلمة أهلا ، كذلك من الأمور المدهشة التي تجدها في عمان هذا الخليط من البشر لذا فهي لديها الكثير من الأصدقاء من الأردنيين ومن جنسيات أخرى كذلك .

تاريخ العرض : 22 /يوليو /تموز عام 2005



لودفيك واغينيس : عشق الأزقة والمساكن الشعبية

في عام 1994 ترك الزوجان لودفيك واغنيس فرنسا وقررا الاقامة في مصر ، متزوجان من خمسة عشر عاما وهي اغنيس من جنوب فرنسا بينما الزوج لودفيك من بروتاني ، يعملان في مجال النشر ، زارا مصر في احد الصيفيات ، اعجبهم اعتدال الجو ، لطف المصريين ، مصر القديمة ، ففكرا لماذا لا ينتقلان للاقامة في مصر ويبحثان عن مستقبل بها . جاء لودفيك قبل زوجته بعام وكان يعمل في حي مصر الجديدة ، كان هذا الانتقال متزامنا مع بدء موجة العمليات الارهابية في مصر مما اقلق زوجته كثيرا وكانت اغنيس تتصل بزوجها دائما للاطمئنان عليه وتتساءل "اي بلد هذا الذي اخترناه" وكان زوجها يطمئنها بأن هذه مرحلة مؤقتة . اغينيس تعتقد ان ما تقدمه وسائل الاعلام لا يعكس الحياة اليومية لمصر وهي لم تكتشف مصر الا بعد سفرها بداخلها فمصر ليست القاهرة فقط ، لذلك فقد زارت وزوجها الواحات البحرية وسيوة والصحراء ، زارا أماكن لم يكن كثير من المصريين يعرفونها ، تتذكر اغينيس تلك اللحظات الرائعة التي عاشتها في السوق البدوي بالعريش والذي يسمى "سوق الخميس" حيث تأتي البدويات حاملات حقائبهن ويفرشنها على الرمال ويبدأن في البيع .
قرر لودفيك فتح محل يجمع فيه خلاصة تجربتهما في مصر ، تجربة اكتشاف الأماكن من خلال ما تنتجه من أشياء ، وبالتالي اكتشاف صانعي هذه الأشياء ، المحل مخصص لبيع المنتجات التقليدية التي تنتج في مصر ، وقام الزوجان بتعليق لوحات فيه توضح هذه الحرف التقليدية ، ويقول لودفيك أن كثيرا من السائحين يسألونه : هل كل ما تعرضه هي حرف مصرية ؟ . وحينما يجيبه بالايجاب ، يجد السائح يستغرب كثيرا من أن مصر غنية بالكثير من الأشياء غير المرئية .
يرى السياح في مصر عادة مراكز لصنع أوراق البردي أو لصناعة السجاد ، أو بيع الحلي بينما تعتقد اغينيس وزوجها ان هذه ليست هي مصر الحقيقية ، فمصر الحقيقية هي ما يصنعه الناس بأيديهم . في البداية عندما يتعامل لودفيك واغينيس مع أصحاب الحرف يكون هؤلاء قلقين قليلا بشأن هوية هؤلاء الأغراب ، هل هم سائحين ؟؟ ، ماذا يريدون ؟؟ ثم و مع مرور الوقت يستريحون لهم ويعرضون عليهم المزيد من الأشياء ويبدون الرغبة في مزيد من التعاون ، ومع مزيد من الوقت تسقط الحواجز الثقافية .. خاصة وأن لودفيك واغينيس يتكلمان قليلا من العربية ، ويسألان حول التفاصيل بدقة مما يوحي بأنهم مهتمان فعلا بالعمل . مصر ليست الاهرامات والمتاحف والأسواق ، مصر هي البيوت والمجتمعات وهذا ما اقترب منه الثنائي الفرنسي كثيرا ، واعتقدا أن هذا يأتي ضمن عملية اكتشاف الآخر وهي عملية ممتعة للغاية ، كيف يعيش الناس ؟؟ . يسود حياة الناس في مصر عدم التنظيم وكذلك حسن التصرف ، الناس هنا تعمل في آخر لحظة ، ولكنهم يفعلون المستحيل لانجاز عملهم في الموعد المحدد وهو شئ لا يحدث في أوربا ، في النهاية تحل كل العقد وتأتي النهايات السعيدة كما في الأفلام تماما . علاقة لودفيك واغينيس بموظفيهم حسنة للغاية ،هناك جزء من حسن الحظ طبعا وهناك الجو العائلي داخل المؤسسة والاهتمام براحة الموظفين ومراعاة بعض الحساسيات وهي أشياء لا تحدث أبدا في علاقات العمل في فرنسا ، فعلاقات العمل هنا في مصر لا تخلو من البعد العاطفي والبعد الانساني وهو يختلف كثيرا عن الحيادية التي تكتنف جو العمل في أوربا .
تعمل اغينيس في مجال المكتبات ، بعد وصولها إلى مصر بقيت بعض الوقت بلا نشاط مهني حيث أنها لم تحتفظ بعلاقاتها مع المؤلفين والناشرين في أوربا ، ثم قررت تحويل نشاطها من مجال النشر إلى المكتبات وعندما بدأت العمل اكتشفت صعوبة اقامة مكتبة في مدينة حيوية كالقاهرة فاستعاضت عنها بفكرة المكتبة المتجولة ، بمعنى انها كانت تستورد الكتب وتقوم بعمل معارض في المدارس الفرانكوفونية أو المراكز الفرنسية في القاهرة . تقول اغينيس أن الجميع حذروها من العمل في القاهرة لأنها امرأة ، لكن زياراتها المتعددة للقاهرة جعلتها لا تهتم بهذه النصيحة فهي تعمل وتعيش في القاهرة ولم تتعرض لأية مشكلات ، هي فقط حاولت أن تكون لطيفة ومستقيمة ومحترمة مع الجميع ، وفي الوقت نفسه حريصة تماما على ممارسة جميع سلطاتها ، وهذا لا يعرضها لأية مشاكل ، حقيقة أن نظرائها من مستوردي وموزعي الكتاب الفرنسي في مصر نادرون ، كما أن قراء الفرنسية في مصر هم أيضا نادرون وأسعار الكتاب الفرنسي مرتفعة مقارنة بالكتب الانجليزية ، ولا يوجد لدى الناشرين الفرنسيين خطة تصدير إلى الجنوب .
كثير من اللطف والتسامح تجاه الأجانب وكثير من الحدة فيما بينهم ، هذا هو ما لاحظه لودفيك من سلوك المصريين ، ورغم أنه يعد أمرا مريحا بالنسبة له ، إلا أنه كان كذلك صادما ، أما اغينيس فيضايقها أن يعاملها الناس على أنها حزمة من الدولارات لمجرد أنها أجنبية . لكن في المقابل تستمتع اغينيس كثيرا بالأمان في مصر ، وهو أمر نادر الحدوث في المدن الأخرى ، هنا لا تسمع عن حوادث سرقة بالاكراه وهي تحدث بالمئات يوميا في باريس ، تسافر اغينيس بمفردها لأقصى البلاد ولا تتعرض لأي مشكلة ، على العكس إذا تعرضت لمشكلة ميكانيكية " عطل في السيارة " فهي كثيرا ما تجد المساعدة .
يستغرب كثير من المصريين قرار الزوجين الفرنسيين باختيار الحياة في القاهرة ، و الكثير من المصريين يحلمون بالهجرة إلى فرنسا ، و يرى لودفيك واغينيس أن التجربة أفادتهما كثيرا ولو عاد بهما الزمن لأختارا مرة أخرى الحياة في مصر حيث ثراء القلوب .

تاريخ العرض : 29 / يوليو / تموز عام 2005



مارتا سارة : جسر التواصل بين الاردن والغرب

عندما أخبرت مارتا سارة والديها بأنها ستتزوج عربيا مسلما لم يشعرا بسعادة ، ربما لأنها ستعيش في مكان بعيد ، لكنهما دعماها جيدا ، وحاولا تفهم كونها مسيحية وأن زوجها مسلما ، يأتون لزيارتها في الأردن وتشرح لهم كثيرا جمال الاسلام ، و سعدت أخيرا بأن وجدت ان امها ذات التسعين عاما قد تعلمت اننا في النهاية نعبد الها واحدا ووجدت سبيلا للتعايش مع الوضع .

كانت تدرس في جامعة هامبورغ وكانت تعمل كعادة الطلاب الألمان اثناء العطل واثناء عملها تعرفت على زوجها الذي كان طالباً و زميلها ، قال لها انه فلسطيني ، لم تكن تعرف ما هو الفلسطيني رغم انها كانت تعتقد انها مثقفة سياسيا ، حكى لها قصة حياته ووجدت نفسها منذ ذلك الحين مغرمة بالقضية الفلسطينية ، قبل ان تغرم بزوجها ، وعرفت أخيرا القصة الحقيقية لما تجده منشورا في الصحف الألمانية من أن اليهود وجدوا صحراء قاحلة حولوها إلى فردوس وأن العرب يحسدونهم عليها ويريدون الاستيلاء عليها .

قررت هي وزوجها المجئ للحياة في الاردن ، كان قرارا يعكس رغبتهما في الاقتراب من العالم العربي ، جاءا إلى الأردن سنة 1980 وكان لديهما طفلان ، ذات يوم كان على زوجها السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على دورة تدريبية وكان خائفاً من تركها وحدها في حي لا يتكلم اهله الانجليزية ، لكنها قالت له لا تخف سأتدبر امري ، بعد سفر زوجها جاءت كل نسوة الحي إلى زيارتها والاعتناء بها لأنها اجنبية وبمفردها ، وكانت لا تتكلم العربية كثيرا لكنهم كانوا يتفاهمون بالإشارة وحاولن اقناعها بالدخول في الاسلام فكان اول ما أرادت السؤال عنه هو الفرق بين المرأة والرجل في الاسلام ، وأخيرا جاءوا لها بزوج احدى الجارات وكان يتحدث الانجليزية فأخبرها ان الرجل والمرأة متساويان تماما في الاسلام إلا ان مسؤوليات الرجل اكثر بنسبة 5% ، وهي رأت في هذه ال5% نوعا من عدم المساواة .

اعتقدت مارتا أنه من الضروري أن يرى ابناؤها قرية أبيهم والتي لم تعد موجودة على اي خريطة اليوم ، وجدتها على خريطة قديمة ، هي قرية قاقون ، اصطحبت الولدين لزيارة القدس ، كانا يحملان جوازات سفر ألمانية لكنهما قلقا من الزيارة فلم يكونا قد قابلا إسرائيليين قط ، كانت إسرائيل بالنسبة لهم هي العدو وكانت الزيارة غريبة ، اخذتهم لزيارة المسجد الاقصى ، استعملت في بادئ الامر الهويات الألمانية لكن الاسرائيليين رفضوا دخولهم اذ كان يوما مخصصا لدخول المسلمين ، فدخلوا من بوابة اخرى مبرزين الهويات العربية ، بعد المسجد الاقصى توجهت مارتا بابنائها إلى مخيم طولكرم حيث نشأ ياسر وزوجها ، والتقوا بعائلة زوجها واهله الذين لا يزالون يعيشون بالمخيم ، ثم أخذهم اهلهم لزيارة قريتهم القديمة قاقون والتي تبعد 6 كيلومترات في منطقة 1984 ، لذا كان الوصول اليها سهلا ، وشاهدوا القصر القديم محاطا بالصبار ، استمتع الاولاد بزيارة المخيم وبرؤية عائلتهم واستمتعوا بسماع الحكايات من عمهم وكانوا يجلسون على الأرض ويطلبون منه مزيدا من الحكايات ، كانت تلك هي رحلة العمر بالنسبة لهم وكان أبوهم متفاجئا من استمتاعهم بالزيارة .

اعتبرت مارتا نفسها محظوظة بالعثور على عمل سنة 1986 في احدى الشركات الألمانية والتي تعمل في مجال التنمية في الاردن ، تمويل الشركة يأتي من وزارة التعاون الاقتصادي الألمانية ومن ثم فهي من أموال دافعي الضرائب الألمان ، وتعمل الشركة على تطوير الموارد البشرية بالأردن كي يصبح قادرا على التنمية ، ومحاولة دفع الناس للمشاركة في حل مشكلاتهم وتحديدا الشباب والنساء ، يتم التركيز على دعم منظمات العمل المدني ، واشعار الجميع أنهم قادرون على التغيير بدون فروق بين الرجال او النساء ولا الكبار والشباب .

انضمت مارتا إلى فريق بصيرة ، وهن مجموعة من النساء الاجانب اللواتي يعشن في الاردن ويهتممن اهتماما خاصا بعمل تواصل بين الشرق والغرب وكان أول ما شاركت فيه هو رحلة بالدراجات تبدأ من بيروت الى دمشق فعمان ، كان ما يريدون قوله هو ان البلاد العربية لا تعني الإرهاب وحمامات الدم ، وأن النساء يمكن أن يسرن فيها بالدراجات ، وكانت الفكرة لامرأة بريطانية في الستين من عمرها .

تحب مارتا الطريقة العربية في الطهو ، ولكنها تأخذ وقتا لذلك فهي تقوم بالطهو ليلا ، وتطلب عادة من زوجها ان يساعدها ، تحب مارتا كذلك الحدائق وتتذكر دائما حديقة بيتهم وهي صغيرة ، لذا فقد جلبت بذورا من ألمانيا وزرعتها في الارض في الاردن ، هي ترى أنها غرست جذورها مع الاشجار في هذه الارض التي لم تحتج سوى للماء، فالشمس هنا مشرقة طوال العام .



مارسيل شيش: جاذبية المغرب

ولد الفرنسي مارسيل شيش في مدينة اورليون فيل بالجزائر وعاش بها 13 سنة ، ما زال يتذكرها : يزور الناس بعضهم البعض ، ان تكون محاطا بالاصدقاء ، الشوارع ، ما زال يتذكر كل هذه الاشياء التي أثرت فيه كثيرا الى ان اضطروا للمغادرة لكونهم فرنسيين ، وفي باريس درس لعام واحد طب الأسنان : مهنة العائلة ، ولما لم يكن متصورا ان يقضي عمره كله غارقا في فم احدهم فقد ترك دراسة طب الاسنان وتحول إلى مهنة يحبها وهي ادارة المطاعم ، افتتح اكثر من مكان في فرنسا ، ولأنه كان عاشقا للسفر فقد قاده قدره الى مراكش التي ما ان وطأها حتى شم رائحة التين وذكره هذا بالبلاد التي ولد بها : الجزائر ، حين نزل مراكش شعر باحساس المرء حين يعود إلى وطنه ، لم يكن وقته في مراكش كافيا لاستكشاف كل شئ ، ولم يكن متعجلا فقد ادرك انه سيعود مرة أخرى ، وعندما عاد إلى باريس كان محبطا لأنه ترك هذه الشمس المشرقة ،والمشاهد الرائعة والناس الدافئين ، لكنه ادرك انه سيعود ولم يكن في عجلة من امره .

كان مارسيل يتردد على مراكش بانتظام شبه سائح ، لم يشعر أبداً أنه سائح ، كانت مراكش مدينته ، وعندما قرر ان ينتقل للاقامة بها لم يكن قرارا سهلا على الاطلاق ، خاصة بالنسبة لرجل لديه عائلته في باريس ، كان يدرك ان لديه اسبابا للانجذاب نحو مراكش لكن لم يكن لافراد عائلته نفس الاسباب فبدأ يبحث عن طرق لاغوائهم حيث ان الإجبار لم يكن مطروحا ، صار يحكي لهم عن ذكرياته في الجزائر ، ويعدهم بحياة جديدة في مراكش ، ثم قام بشراء الارض التي بنى عليها مطعمه في مراكش واصطحب عائلته وبدأوا حياة جديدة ، هو يعتبر ان مراكش تختلف عن باريس في انها تعطيه فرصة لاكتشاف الذات ، بينما في باريس هناك دوما السعي الحثيث نحو شئ ما والإفتقار الى وجود وقت للتفكير والتقاط الانفاس.

اسس مارسيل مطعم "لوكونتوار" في مراكش والذي اراده معبرا عن الثقافتين اللتين الفهما ، اراد مارسيل للكونتوار ان يكون كالدار وأن يكون مضيافا لذا فقد اضاف له كلمات كالحب والسلام ، يقول عن مهنته انها ليست سهلة ، فهو يبدأ العمل في العاشرة ونصف صباحا ويستغرق في اجتماعات مع الموردين ، ويمارس العمل المكتبي، ثم يأتي جزء السهرة حيث يعمل المطعم من الرابعة مساءا وحتى الواحدة صباحا ، فيقوم بعقد اجتماعات مع مدراء اقسام المطعم ومدير الطهاة للتخطيط للسهرة ، يعتقد الكثيرون ان عمل المطاعم يسير بسلاسة لكن في الحقيقة عند مارسيل كل شئ يسير بنظام ووفق تخطيط وهو يحاول تغيير ايقاع المكان ووتيرته ، ويبذل جهدا كبيرا كي يشعر الزبائن بالراحة .

يخطط مارسيل لاطلاق "وقت الشاي" في الكونتوار ايمانا منه باهمية الشاي في الثقافة المغربية وتحديدا الشاي بالنعناع ، لكنه سيهدف الى تعريف المغاربة بالثقافات الاخرى التي اهتمت بالشاي على اختلاف انواعه ، انه يحاول تقديم فن وثقافة الشاي حول العالم .

الموسيقى من الاشياء الهامة في عمل مارسيل وقد بدأت علاقته بالموسيقى اثناء فترة المراهقة حيث حاول تعلم العزف على آلة أو اثنتين ولم يتمكن فأدرك انه لم يكن موهوبا بالعزف لكن الموسيقى تسكن فيه ، وحينما افتتح الكونتوار كان يحقق بذلك حلم ان يعيش محاطا بموسيقيين رائعيين يعزفون الحانا ومقطوعات غمرته في طفولته ، هو يحلم ان يصدر هذه الالحان في اسطوانة تحمل اسم لو كونتوار .

ست سنوات قضاها مارسيل في مراكش، هو يشعر بان الاستثمار السياحي في المغرب أمر ممتاز ، مارسيل هو أب لثلاثة ابناء، اكبرهم عمره 29 عاما ويعمل مع أبيه في لوكنتوار ، وله ابن آخر في الخامسة عشر وابنة في العاشرة ، يشعر مارسيل بالسعادة لأنه اقنعهم بالمجئ معه إلى مراكش عن طيب خاطر والاستمتاع بالحياة فيها ، اراد كذلك ان يعلمهم مفهوم الثقافة الأخرى ، كيف تنظر للآخر ، وتتفهمه وتحترمه ، وهو يعتقد انهم بدأوا يفهمون ، ففيما يبدو انهم نضجوا في هذه البيئة .



جان بيار كوفيل : مغربي القلب والروح

جاء الفرنسي جان بيار كوفيل للاستقرار في حي المحيط في مدينة الرباط ، اقام في شقة صديق له يدعى اغناسيو راموني ويعمل مدرسا للغة الإسبانية ، وكانت شقة لطيفة مؤلفة من ثلاث حجرات ، وحديقة على اليمين وأخرى على اليسار ، كان الأمر رائعا الى أن غادر أحد الجيران شقته وحل محله جار جديد ، تاجر للاثاث المستعمل ، اعتاد الجار الجديد على تربية الدجاج ، وكان بين الدجاج ديك اعتاد على الصياح كل يوم في الثالثة صباحا ، كان الديك لا يفرق بين نور الصباح ونور المصباح ، مما جعل جان بيار لا يعرف للنوم طعما لمدة شهر كامل ، اشتكى لجاره صاحب الديك ، لكنه قال له :" املك الحق كاملا في تربية الدجاج والبط في منزلي وان لم يرق لك فعد الى فرنسا " ، اشتكى جان بيار لمفوض الشرطة في الحي لكن الأخير قال له :"نحن مسلمون .. والديك بالنسبة لنا هو المؤذن ، هو الذي يوقظ الناس للصلاة ، وان لم يعجبك هذا فاحزم حقائبك وعد الى فرنسا " ، انتابه الغضب وذات يوم حزم جان بيار كوفيل حقائبه بالفعل ، لكنه لم يذهب الى فرنسا ، لكنه لجأ الى صديقه مصطفى مكاوي في مدينة القنيطرة ، كان هذا سنة 1976 ومازال يقيم بالقنيطرة حتى اليوم ، فهي الصدفة التي قادته اليها .

ولد جان بيار كوفيل في الدار البيضاء ، لكن وهو في سن الخامسة قرر والده الانتقال الى مكناس ، التي بقوا بها لمدة عام ثم غادروا الى مراكش والتي تفتح وعيه بها ، بعد حصوله على الثانوية العامة قرر ان يحصل على إجازة في اللغة العربية ولكنه نجح في اختبار اللغة اللاتينية ورسب في اختبار اللغة العربية في السنة الثانية في الجامعة واستمر في دراسة الآداب الكلاسيكية الفرنسية اي اللاتينية .

حصل على الليسانس في اللغة اللاتينية ، لكن في كلية الآداب في جامعة بوردو طلب منه اجراء اختبار شفهي في لغة اجنبية ، ففكر في اللغة الاجنبية التي يعرفها ، ولم يكن متحمسا للإسبانية ، فاختار العربية ، كان جواب ادارة جامعة بوردو :"ليس لديك الا لغات ميتة : اللاتينية والعربية " احتج جان بيار على وصف العربية باللغة الميتة واحضر إلى إدارة الجامعة صحفا عديدة تنشر باللغة العربية كالاستقلال والمنار والرأي العام ، ونجح في اقناعهم باجراء الاختبار له في اللغة العربية كلغة حية .

حينما كان طفلا لم يعجب جان بيار لا بالرياضيين ولا بالجنود ، كان يعجب فقط بمن يكتبون ، كان بالنسبة له التقرب من كاتب هو قمة السعادة ، وكان قمة النجاح بالنسبة له ان تكون كاتبا ، لكنه لم ينجح في تحقيق مراده وأن يصير كاتبا بالفعل الا بعد التقاعد ، حيث كان لديه اشياءا كثيرة كان لابد ان يقوم بها . احب الكتابة لكنه لم يجعل منها مهنة .

بدأ كتابة الشعر وهو في العاشرة من عمره ، وكان يوجد في المغرب يومها صحيفة يومية فرنسية اسمها "لافيجي ماروكين " وكانت تخصص صفحة كل يوم اربعاء بعنوان لا فيجي دي جون ، وهو في سن الثالثة عشر ارسل إلى المجلة احدى قصائده وفوجئ بنشرها ، كان قد ارسلها باسما مستعارا "ليبر" لكن المحرر اخطأ طباعة الاسم فكتبه "لييفر" والتي تعني ترجمتها الأرنب ، تقبل هو اسمه المستعار الجديد : لييفر وظل ينشر به الى ان بلغ الثامنة عشر ، كان طوال هذا الوقت يرسل قصيدة كل اسبوع ، وكانت تنشر ، حينما بلغ الثامنة عشر اصبح في عرف الجريدة ليس محسوبا على الشباب وتوقف عن النشر .

نشر روايته الاولى "سنسمية مهدي " ، ثم نشر روايته الثانية "خوخ في الطاجين" وحصل على جائزة اطلس عام 1994 عن هذه الرواية ، بعدها تراجع جان بيار عن كتابة المسرح وعاد للشعر ، تراجع بكامل ارادته قليلا كي يدفع الاخرين إلى الأمام ، كان معتادا على هذا وكان فخورا بتلامذته وكان يعتبر نجاحهم جزءا من نجاحه الشخصي . ينشط كوفيل في مجال مساعدة الادباء الشبان وتحديدا الفرانكوفونيين الذين يرغبون بالنشر ، بالتعرف الى ناشرين وخلق فرص نشر لهم من خلال جمعية تسمى لا بيك .

وهو في السبعينات من عمره ويعمل على الروايات والأدب ارسل له شخص ما طفلا لم يتجاوز عمره الثلاثة ايام ، قام بتربيته واصبح عرابه واطلق عليه اسم آدم ، ولد آخر هو احمد قام جان بيار بتبنيه بشكل قانوني امام محكمة فرنسية ، وصار يحمل اسمه . يتحدث في الحلقة افراد العائلة الجديدة لجان بيار احمد وزوجته وابنته والذين اعتبروا الرجل الفرنسي بمثابة اب وحما وجد .. منحهم اسمه ومنحوه الحياة التي احبها .